الأستاذ: حاج بشير جيدور
الأستاذ: حاج بشير جيدور
11 آذار 2019 339

أستاذ العلوم السياسية حاج بشير جيدور:

المسيرات السلمية وحدها الكفيلة بمواجهة النظام

دعا أستاذ العلوم السياسية بجامعة غرداية حاج بشير جيدور من تصريحات قدمها لـ"الوسط" للابتعاد عن دعوات العصيان المدني، كونها دعوات مشبوهة خاصة أنه يعطي انعكاسات سلبية يمكن أن تتيح للسلطة مبررات التصعيد ضد الحراك، مؤكدا أنه "لا يجوز بالمرة أن يرتبط العصيان المدني بالإضراب في سلة واحدة، فينصرف الحراك عن تحقيق أهم مبادئه وهو إسقاط النظام أو تغييره إلى البحث عن لقمة العيش".

كما أكد أن المسيرات السلمية وحدها كفيلة بإحداث التغيير المطلوب في تعامل القوى المجتمعية مع النظام وقواه الأمنية عبر الحفاظ على 3 شروط: السلمية والدوام والشمولية.

أولا بخصوص دعوات العصيان المدني، ما هي قراءتكم وانعكاساته على الحراك؟

أولا يجب أن نتفق أن الدعوات للعصيان المدني تعتبر دعوات مشبوهة وغير محددة المصادر، وذلك لتوافر سببن رئيسين:

السبب الأول: ورودها متقاطعة ومتعامدة مع الصورة الكلية للحراك في نسقه العام، حيث لم ترد ولا مرة واحدة في شعارات الحراك عبر كل نقاط الوطن التي ادثرت به، ولم تدعو له شخصية وطنية ولا فصيل ثوري، فقد كان الإجماع منذ البداية عشية 22 فيفري 2019، سواء عبر الفضاءات الافتراضية المؤطرة للحراك أو عبر الأنساق التنظيمية والتنسيقية لذات العمل على التنسيق الفعال وبناء على خاصيتين اثنتين هما: (الشمولية والتجرد) من جهة و(السلمية والعموم) من جهة أخرى، فالملاحظ إذا غياب أي إشارة لمثل هكذا تصرف خلال رسم معالم الحراك.

السبب الثاني: السرعة التي انتشرت الفكرة بها والمبادرة إلى تطبيقها، بل وملامستها عيانا على الأرض بدءً من صبيحة يوم الأحد 10 مارس، هذه السرعة وهذا التنسيق وهذا الإتقان بالإضافة إلى عامل الانتشار الرهيب لابد أنه موحي بأن يدا تعهدته وأنبتته (اقتباسا عن أبي طالب بن عبد المطلب).

وإذا أضفنا له عاملا آخرا اتسم بالفوضوية وكسر العصا الانضباطية الذي تمثل في الخروج الكبير والكثيف للتلاميذ من أقسامهم ومدارسهم وتنظيمهم لمسيرات حملت ذات شعارات الحراك تقريبا والأخطر منه تسييرهم لما يشبه الدوريات عبر شوارع عدد من المدن كورقلة مثلا والأغواط لإجبار التجار والصيادلة وأصحاب المحلات على غلق دكاكينهم تحت طائلة التهديد بالعنف، كل هذا لا يمكن تجاهله على أنه صادر عن جهة مشبوهة ومنظمة وقوية أيضا.

هذا الفعل إن لم يتم تقويضه سريعا وتحييده وكسره، فلابد أن يحمل انعكاسات خطيرة على الحراك الثوري المطلبي السلمي الذي يتخذ الشارع المجتمعي بيئة له، وتبرز أهم انعكاساته الخطيرة على الحراك في الآتي:

أولا / سوف يعطي السلطة مبررا لقمع الحراك لتجاوزه الخطوط الحمراء التي لم يقترب يوما منها، ومنه يسهل على السلطة التعامل الفض مع المسيرات أو التجمعات تحت مبرر الإخلال بالسكينة العامة وتعريض الأمن القومي للخطر من خلال مناكفة الجهاز القانوني للدولة والتحريض على العنف أو العنف المضاد.

ثانيا / يمكن أن يجرد الحراك من أهم ميزة جعلت منه مضرب المثل خلال الأسابيع الماضية ورسمته بصورة وردية لدى الرأي العام المحلي وأكسبته الاحترام لدى الرأي العام الخارجي، وهي ميزة "السلمية"، فالعصيان سوف يحيل عددا من أوجه الحراك إلى المنحى التصعيدي والاستفزازي، ولابد أن يؤدي ذلك إلى اصطدام بالأجهزة الأمنية لا محالة.

ثالثا / العصيان المدني بشكله غير المدروس والمتسرع والمرسوم من دوائر أجنبية عن الحراك، سوف يجعل "إسفينا" بين قوى الحراك والتي ما فتئت تعتبر أحد أهم أسباب قوته، فيدب الخلاف بينها وينصرف أفراد المجتمع كل نحو وجهته من أجل تأمين قوته وقوت عياله، مما يسهل للسلطة مهمة "الاستفراد" بالأفراد أو بالمجموعات الصغيرة لأنها باتت مفرقة وغير متحدة ولا متجانسة.

هل ترون أن الدعوات المساندة له عبر دعوات الإضراب كان ينبغي أن تقتصر على المؤسسات العمومية بدل شمل حركة التجارة؟

العصيان المدني من وجهة نظر تعريفية أكاديمية هو باختصار "رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة" وهو بذلك "عمل عام وسلمي ويطبق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة"، فهو بهذا الشكل موجه فقط للتعاطي السلبي مع الإدارة العامة من خلال معارضتها أو عدم تطبيق قوانينها لما فيها من جور أو تعسف، ولا يعني على الإطلاق أن يحمل ذات التعريف الذي يحمله (الإضراب) أو (الإضراب العام)، لأن هذا الأخير مرتبط بعلاقات الأفراد ببعضهم أو بعلاقات الأفراد كأشخاص طبيعيين مع الدولة كشخص معنوي.

بالمحصلة، لا يجوز بالمرة أن يرتبط العصيان المدني بالإضراب في سلة واحدة، فينصرف الحراك عن تحقيق أهم مبادئه وهو إسقاط النظام أو تغييره إلى البحث عن لقمة العيش أولا ثم النظر في تعاملنا مع النظام القائم، وذلك للضعف الذي سيكتنف البناء الحراكي من أساسه.

كأستاذ علوم سياسية ما هي أبرز السبل لتحقيق مطالب الحراك هل تنحصر في المسيرات السلمية أم هناك ما يدعمها؟

المسيرات السلمية وحدها كفيلة بإحداث التغيير المطلوب في تعامل القوى المجتمعية مع النظام وقواه الأمنية، لكن بضرورة الحفاظ على ثلاث مبادئ رئيسة:

مبدأ السلمية: لأن القوى المجتمعية تتعامل مع قوى النظام داخل ذات الدولة وليست مرتبطة بحرب أو نزاع بين قوى دولية.

مبدأ الدوام: حيث يعطي الدوام ملمحا اتحاديا ويرسم صورة لدى الطرف الآخر بتوفر القوة الحراكية على عامل (النفس الطويل)، وهو الكفيل بإحداث الهلع لدى القوة المضادة للتغيير أو المقاومة لحراك الشارع وهي السلطة.

مبدأ التوزع والشمولية: حيث يجب أن يضل الحراك منتشرا في كل أجزاء الدولة من شرقها إلى غربها وفي شمالها وجنوبها، فالملمح الشمولي يساهم في تقريب الحراك من تحقيق أهدافه وإعطاءه الصبغة الوطنية، بدل تركزه في منطقة أو أكثر، فيكسبه (النزعة الجهوية) ويوجد المبرر للسلطة من أجل التعامل العنيف معه لاحتوائه ووأده ـو تحييده أو حتى تقويضه.

حاورته: سارة بومعزة

اقرأ أيضا..