السياسة  النقدية لبنك الجزائر غير مجدية
20 كانون2 2019 417

الخبير الاقتصادي الدكتور عمر هارون في حوار ل"الوسط ":

السياسة  النقدية لبنك الجزائر غير مجدية

حاورته: إيمان لواس

تنتظرنا مخاطر كبرى بعد نفاذ احتياطي الصرف

  • المطلوب هيئة وطنية للبت في شرعية المنتجات المالية الإسلامية

 انتقد  الخبير الاقتصادي الدكتور عمر هارون  في حوار ليومية "الوسط " الإستراتيجية الوطنية للتصدير والتي  ستدخل حيز الخدمة 3 أشهر المقبلة ،معتبرا أن الجزائر لا يمكن أن تذهب إلى تصدير منتجاتها، متسائلا ما هي المنتجات التي تملك فيها الجزائر فائض من أجل أن نضع لها إستراتيجية وطنية لتصديرها فالفوائض الموجودة هي موسمية والدليل في ذلك أن الأسعار تتراجع في مراحل من السنة ثم سرعان ما تعاود الارتفاع  على حد قوله ، محذرا من انعكاسات التمويل الغير التقليدي التي ستؤدي إلى انفجار  كبير في الاقتصاد الوطني في آفاق السنتين القادمتين ، مؤكدا في ذات الصدد أنه وفق السياسة الحالية لا يمكن توقيف نزيف العملة الصعبة نظرا لكونها الملاذ الوحيد لخلق توازن في السوق.

  • بداية، كيف تقيم الواقع الاقتصادي في الجزائر في ظل الأزمة الراهنة؟

لا يمكن لحد الآن أن نصف ما تعيشه الجزائر بالأزمة، بل نحن نعيش بوادر أزمة يشعر بها المختصون والأكاديميون والعارفون بالمجال الاقتصادي أكثر من المواطن البسيط، الذي لولا التهويل الإعلامي لما شعر بالكثير من التغيرات، وهذا لا يعود لأي إجراءات اقتصادية حقيقية، بل لسياسة الحكومة في دعم السلع الضرورية، واستيراد كل السلع التي يمكن أن تكون نادرة في السوق، خاصة أن قانون المالية هذه السنة لم يفرض أي ضرائب أو رسوم جديدة على مختلف السلع والخدمات، لكن هذا لا يعني أننا بخير، كل ما في الأمر أن الجزائر لا تزال تملك حوالي 82 مليار دولار كاحتياطي نقدي، وهي الآن تقوم باستعماله من أجل تهدئة الجبهة الاجتماعية، واستطاعت من خلال التمويل غير التقليدي أن تتجاوز مشكل نقص السيولة، لكن كل هذا سيكون له أثر كارثي بعد نهاية الاحتياطي النقدي التي قدر وزير المالية أنه سيكون في حدود 2021، وفي تلك المرحلة سيكون من المستحيل استيعاب الوضعية .

في نظرك، ماهي أسباب انهيار القدرة الشرائية؟

علينا أن نضبط الأمور، ليس هناك انهيار في القدرة الشرائية، هناك تراجع لا يمكن بأي حال من الأحوال وصفه بالانهيار، ويمكن أن أشرح السبب الذي لا يجعل القدرة الشرائية للدينار تنهار، وهي أن بنك الجزائر يتحكم في قيمته الاسمية بشكل إداري من جهة والحكومة تحافظ على توازنه من خلال المحافظة على مستوى من السلع والخدمات في السوق يجعل الأسعار تبقى في حدود معقولة من خلال ما تسمح باستيراده من سلع وخدمات من الخارج بأسعار صرف مدعمة من بنك الجزائر، وهو ما يجعل معادلة الطلب على السلع وعرضها تبقى في حدود تحافظ على قيمة القدرة الشرائية للدينار في حدود تضمن حد أدنى لكل مواطن جزائري .

ماهي الإجراءات التي يجب إتخاذها لوقف نزيف العملة الصعبة؟ علما أننا إذا واصلنا على هذه الوتيرة ستنتهي في 2023 ؟

أكد وزير المالية في تصريحاته صحفية سابقة أن البقاء على نفس الوتيرة في استهلاك الاحتياطي النقدي يجعل ينزل إلى 34 مليار دولار في حدود 2021 وهو ما يعني أقل من سنة من الاستيراد، وصراحة إذا بقيت وتيرة الاستيراد بالصيغة الحالية مع التراجع الرهيب في أسعار المحروقات الذي لن يتجاوز في 2019 متوسط 65 دولار للبرميل يجعلني أتوقع نضوب الاحتياطي النقدي الجزائري بحلول 2020، ووفق السياسة الحالية لا يمكن أن نوقف نزيف العملة الصعبة نظرا لكونها الملاذ الوحيد لخلق توازن في السوق، ولعل ما حصل مؤخرا مع منتوج مثل الموز الذي لا يعتبر لا سلعة ضرورية ولا لازمة إلا أن الضغوط التي مورست على الحكومة جعلتها تفتح باب الاستيراد لبارونات هذه المادة بعض وصل سعر الكلغ الواحد إلى 800 دج، موضوع ضجت به كل وساء الإعلام المرئية المسموعة والمكتوبة، في حلمة لم تكن لترى النور لولا أن خلفها أناس يعلمون ما يريدون، والحل الوحيد اليوم هو البحث عن موارد جديدة لجل العلمة الصعبة كحل قصير الأمد، على غرار تسهيل دخول وخروج الأموال المحولة من وإلى الخارج، فالجزائر تعاني من واحدة من أسوأ المنظومة بنكية في العالم، وهي التي عطلت دخول رؤوس الأموال خاصة تلك المتعلقة بالأفراد ، أما على المستوى الكلي فيجب التفكير بجدية في استقطاب رؤوس الأموال الكبيرة من الشركات العملاقة لاستثمارها في الجزائر وهذا لن يكون إلا بتعديل قانون 51/49 .

ما رأيك في إجراءات الحكومة لإنجاح التمويل الغير التقليدي؟

الحكومة لجأت لأسهل حل إداري يمكن أن يتخذه مسؤول في دولة، وهو طباعة النقود، ولحد نهاية السنة الماضية طبعت الجزائر 4005 مليار دينار جزائري  وكانت بصدد طباعة 118 مليار دينار جزائري، يضاف لهذه المبالغ ما يقارب 3700 مليار دينار جزائر الموجودة في السوق السوداء، يتحول الأمر إلى كابوس اقتصادي، ويجعل الأمر ينذر بانفجار كبير في الاقتصاد الوطني في آفاق السنتين القادمتين، بعد نضوب الاحتياطي النقدي، خاصة أن الإنتاج المحلي لا يكفي لسد الحاجات والاستيراد لن يكون ممكن نظرا لعدم وجود العملة الصعبة، وهو ما سيحول الوضع إلى وضع كارثي، ولعل المسؤولية الكبيرة تعود على بنك الجزائر والذي أصبحت سياساته النقدية غير مجدية ولا محل لها من الإعراب باقتصاد يسير بسياسة واحدة وهي السياسة المالية .

وجهت العديد من الانتقادات للتمويل الغير التقليدي، في نظرك كيف يمكن التصدي للآثار السلبية  له ؟

حاليا لا يمكن تقدير الآثار السلبية الحقيقة لهذا التمويل لأننا لا نعمل كم تنوي الحكومة طباعته خاصة أن القانون يمتد على خمس سنوات تكون الخزينة العمومية قادرة على طبعات سندات ويجب على بنك الجزائر شرائها، ورغم أن التصريحات الحكومية أكدت أنها ستبقى ديون على الخزينة على أجل أقصاه 30 سنة، لكن يبقى الأمر مجرد إجراء قانوني شكلي، فمثلا لو أخذنا فقط مشكل السوق السوداء الخاصة بالعملة الصعبة، فإن إنهيار سعر الدينار الذي سيؤدي لانهيار الاقتصادي الوطني يكفيه دخول نصف الاموال الموجودة في السوق السوداء والمقدرة 3700 مليار دينار جزائري إليه، وهو أمر يكمن أن يحدث في ظل تضارب المصالح الحاصة في هذه المرحلة .

أرباب العمل انتقدوا إجراءات الحكومة لدعم المتعاملين الاقتصاديين و اعتبروها غير كافية ، ما تعليقك على ذلك ؟

ليس هناك طرف مستفيد من الإجراءات الحكومية أكثر من رجال الأعمال، ويستحيل أن نتكلم عن دعم مقدم لرجال الأعمال في العالم أكثر من الذي يقدم في الجزائر ويكفي أن أقول أن المؤسسة في الجزائر تحصل على اعفاء جبائي يصل الى 10 سنوات، وإلى عدد غير محدد من عقول التشغيل من الوكالات الوطنية للتشغيل المدفوعة كليا أو جزئيا من الخزينة العمومية، المشكل الحاصل في الجزائر أننا لا نملك رجال أعمال أكفاء قادرين على تطوير الاقتصاد الوطني في ظل غياب المنافسة نظرا لإحجام المؤسسات الأجنبية على دخول السوق الوطنية نظرا لقانون 51/49 بالاضافة لوجود الجزائر في مراتب جد متأخرة في المؤشرات الدولية، فيكفي أن أقول أن الجزائر في المرتبة 157  من 190 في تقرير مناخ الأعمال العالمي وفي المرتبة 111 من إجمالي 150 دولة في ترتيب التجارة الالكترونية حسب الأمم المتحدة ناهيك عن ترتيبنا في تقارير الفساد والحوكمة وغيرها من التقارير التي تجعل الاقتصاد الجزائري يبدوا أقرب للجحيم منه إلى الجنة، غياب المنافسة يؤدي الى الاحتكار والاحتكار يجعل المؤسسة تقدم أسوأ المنتجات بأعلى الأسعار .

كيف تنظر إلى تبني الحكومة للصيرفة الإسلامية "التشاريكة " ،و هل بهذه الخطوة يمكن إدخال الأموال خارج البنوك ؟

أن تصل متأخر أحسن من أن لا تصل أبدا هذا ما يمكن إطلاقه على النظام 02/18 الذي فتح الباب بشكل رسمي أمام المالية الإسلامية التي أطلق عليها بنك الجزائر مصطلح المالية التشاركية على غرار ما جاء في المغرب التي تسمي هي الأخرى المالية الإسلامية بالمالية التساهمية، هذه المبادرة التي تحتاج إلى خطوات أخرى من أجل البدء فيها بشكل رسمي هو إنشاء هيئة وطنية مؤهلة للبت في شرعية المنتجات المالية الإسلامية التي ستقترح من الشبابيك الإسلامية التابعة للبنوك العمومية والخاصة، والتي ستكون منفصلة محاسبيا على الجانب التقليدي، شبابيك إن تم الإسراع في فتحها ستخلق الكثير من الفرص للشباب الراغب في بداية مشاريعه الخاصة، خاصة إذا ربطت هذه الشبابيك مع التمويلات التي تمنحها الهيئات الممولة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الجزائر على غرار ال ANESJ  و CNAC  .

ما تعليقك على الاستراتيجية الوطنية للتصدير التي ستدخل حيز الخدمة 3 أشهر المقبلة ، وهل يمكن أن تحدث قفزة نوعية في التصدير خارج المحروقات؟

تصدير ماذا؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا قبل أن نفكر في استراتيجية وطنية للتصدير، ما هي المنتجات التي تملك فيها الجزائر فائض من أجل أن نضع لها استراتيجية وطنية لتصديرها، وإن كان الحديث عن المنتجات الفلاحية، فالفوائض الموجودة هي موسمية والدليل في ذلك أن الأسعار تتراجع في مراحل من السنة ثم سرعان ما تعاود الارتفاع كحال البطاطا مثلا، يجب علينا أن نفكر في سياسة وطنية لتحويل المواد الفلاحية، سياسة وطنية لتوضيب السلع الفلاحية والغذائية، سياسة وطنية لتطوير الانتاج الوطني ثم نفكر في التصدير، فالهدر الرئيسي ليس جلب العملة الصعبة من خلال التصدير بل تحقيق الاكتفاء الذاتي من أجل تقليل الاستيراد .

اقرأ أيضا..