مدير المركز الوطني البيداغوجي واللغوي لتعليم تمازيغت، عبد الرزاق دوراري
مدير المركز الوطني البيداغوجي واللغوي لتعليم تمازيغت، عبد الرزاق دوراري صورة: أرشيف
04 نيسان 2017 548

مدير المركز الوطني البيداغوجي واللغوي لتعليم تمازيغت

دوراري: الصراع الهوياتي شكل عائقا للتطور الإقتصادي للجزائر

حوار: شفيقة العرباوي

أكد الدكتور والأستاذ الجامعي مدير المركز الوطني البيداغوجي واللغوي لتعليم تمازيغت، عبد الرزاق دوراري بأن الصراع الهوياتي المطروح في الجزائر منذ مدة، جعل الدولة تخسر العديد من الطاقات التي كانت باستطاعتها القفز بالجزائر إلى مصاف الكبار، موضحا بأن النزاع بين المثقفين المعربين والمفرنسين يعود لأربعينات القرن الماضي، والذين نجد منهم من سار في اتجاه الميل الى المشرق العربي، مقابل خطاب الجزائر جزائرية، وبقينا في هذا الخلاف حتى بعد الاستقلال، ما جعل المجتمع يعيش نوعا من التشنج، وهذا الذي شكل عائقا في التطور الاقتصادي للبلد.


 وقال دوراري في حوار خص به الوسط، بأن الدولة بدأت تتفطن لهذه الصراعات الهوياتية والإيديولوجية التي لا طائل من ورائها، ما جعلها تدستر اللغة الأمازيغية كلغة رسمية بعد سلسلة من القرارات ابتدأت من عام 1995، مطالبا من الجميع الخروج من هذه الفوضى الهوياتية خاصة وأن المجتمعات بالعالم بدأت تكون على أساس المواطنة، ومن جهة أخرى وضع مدير المركز الوطني البيداغوجي و اللغوي لتعليم تمازيغت، الجزائر ضمن الدول التي تبحث عن مكان لها ضمن إطار العولمة، وهذا بعدما تخل مسؤلوها عن هدف السبعينيات من القرن والماضي، الذي كان سيجعل الدولة وطنية مستقلة عن الجميع وهذا في كافة المجالات.

ما هي الأسباب التي جعلت السلطات لا تولي الباحثين مكانتهم الحقيقية؟

المجتمع يحوي على مؤسسات تسيّر من قبل أناس لهم أهداف مسطرة يعملون وفقها، وهنا يجب أن نعود إلى سنوات السبعينات ونذكر أين كان الهدف الأساسي للمجتمع آنذاك هو بناء دولة تكون لها استقلالية كبيرة بالنسبة للدول الأخرى، وهذا في فترة بومدين وحتى الشاذلي عليهما رحمة الله، أما حاليا فإن أهداف مسيري الدولة ليس لها علاقة بهذا الموضوع، لأن النموذج الأساسي بالعالم تغير تماما، فقضية الاستقلال والسيادة الوطنية تراجعت بدرجة كبيرة بفعل سيطرة ما يسمى النظام الليبرالي الجديد، والتي تتجسد في وجود نمط اقتصادي وثقافي واحد والمتمثل في الرأسمالية التي تسيطر على الإنسانية بشكل عام، فإمكانيات الدولة الوطنية في هذا المجال ضعيفة جدا، فالسيادة لم تعد ذلك الرمز والهدف الأساسي لهذه الدول، فهناك تشكيل لقوة جيوإستراتيجية معينة، والدولة الوطنية ينبغي أن تجد لها مكانا فيه، لهذا دائما هنالك نوع من المساومة بين الأقطاب المتعددة القوية الآن ونقصد هنا الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، وحتى روسيا، فالدولة الجزائرية مضطرة أن تدخل في نوع من المحادثات معها.

فإذا رجعنا للجامعة الجزائرية، فهذه الجامعة إن بنيت بهدف التوصل إلى دولة مستقلة تماما، لها قوتها الفكرية والاقتصادية التي تنبع من درجة قوة الاقتصاد الوطني، ولكن هذا لم يحصل لأن الدولة الجزائرية تلهث عموما وراء إيجاد مكان لها في هذه الصراعات الدولية، فكأنها أهملت إلى درجة كبيرة بناء جامعة قوية تبني المجال الفكري بشكل مستقل عن الدول الأخرى، ويجب هنا أن نذكر كذلك بتوصية البنك الدولي الخاصة بسنوات السبعينات والثمانينات والتي توجب على دول العالم الثالث عدم الاستثمار في الفكر الوطني لكونه غير مربح على طول الخط.

لكن هذه التوصية غير طبيعية بالنسبة للبنك الدولي، لكون الاستثمار بالفكر منطقيا سيكون له نتائج إيجابية على كافة المجالات؟

في ذلك الوقت وبالنسبة للبنك الدولي، فإن دول العالم الثالث يستحسن أنها تستورد هذه الطاقات من الخارج عوضا من أن تستثمر فيها من الداخل، لأن الكلفة ستكون أقل وهذا الذي حدث في ذلك الوقت، خاصة وأن هنالك نظام دولي وكأنه يسرق كل الأدمغة، بحيث أي باحث يبرز في منطقة معينة يتم جلبه إليهم، وما يترجم ذلك الآن سياسة الهجرة المتبعة في أوروبا بشكل عام  والولايات المتحدة الأمريكية وحتى كندا، فإننا نجد فيها تسهيلات كبيرة لهذه الطبقة المثقفة.

الآن أثرت نقطة مهمة، وهي هجرة الأدمغة وهذا الملف كما هو معروف مفتوح منذ 20 سنة، حسبكم ما هي الخطوات التي اتبعتها السلطات الجزائرية من أجل تخفيف من هذا النزيف؟

هنالك نمطين من الدولة، حيث نجد دولة وطنية ذات سيادة، وهذا النموذج نحتاج فيه كما قلت سابقا للجامعة وعدة أمور أخرى، أما النمط الثاني فيتمثل في كيفية إيجاد الدولة مكانا في إطار صراع دولي وفي إطار العولمة، والجزائر الآن في النموذج الثاني الذي يتحدث عن حركية الفكر والأدمغة، وكأن المجال حر على المستوى الدولي حتى الطاقات التي تحوز عليها دول العالم الثالث يمكن أن تصبح ملكا مشتركا لجميع الدول القوية، لهذا نقول أنه يوجد عندنا كلام شعبوي حول إمكانية استرجاع هذه الطاقات الموجودة في الخارج، ولكنه حديث لا يمكن أن يطبق على الإطلاق، فلهذا نتكلم في هذا الملف منذ أكثر من 30 سنة، لأن الجزائري الذي يعيش في مخابر متطورة لا يمكن أن يجد ضالته في مجتمع سمته الحالية، فالمجتمع هنا بصفة عامة يملك قوة طاردة لا تمكن الأدمغة من البقاء في الجزائر.

في ظل كل هذه الصراعات التي تحدثتم عنها عالميا، نحن في الجزائر لم نحسن بعد النقاش الخاص بالهوية الوطنية، وكأننا نعيش خارج هذه الرهانات وخطر الاضمحلال ليس ببعيد عنا، ما رأيك في هذه النقطة؟

يمكن أن نقول أن هذا الخطر مضاعف، لأن المجتمع الجزائري قبل الاستقلال طرح مشكل الهوية، وكأننا الشعب الوحيد الذي يملك هوية في الكون، بالرغم من أن هذا التعريف سهل ومرتبط بالتراب، بحيث كل إنسان يعيش على هذه الأرض هو جزائري، لكن مع ذلك ولما جاءت النخب الجزائرية مع أربعينيات القرن الماضي، خاصة في ظل مطالب تحديد الهوية من الخارج كان هنالك خلاف بينهم، فمنهم من يرى الخيار الإستراتيجي وهذا الذي حصل مع العرب، وكان هنالك خطاب الجزائر جزائرية، وبقينا في هذا الخلاف حتى بعد الاستقلال، ما جعل المجتمع يعيش نوع من التشنج، ما شكل عائق في التطور الإقتصادي للبلد.

حسبكم الصراع الهوياتي المطروح بين المعربين والمفر نسين جاء في الوقت الخطأ  وفي المكان الخطأ استنزف من الجزائر طاقات كبحت التقدم المنشود في الكثير من المجالات أم لكم قراءة أخرى؟

هذا الصراع جعل الدولة الجزائرية تعيش على ما هي عليه الآن، رغم أنها كانت قادرة على أن تكون قوة اقتصادية وكذلك فكرية، خاصة إذا علمنا أنها من الناحية الرمزية كانت رائدة على المستوى الإفريقي، والآن نموذج الجزائري سلبي على طول الخط، الدولة الأن بدأت تتفطن لهذه الصراعات الهوياتية والإيديولوجية التي لا طائل من ورائها، فإبتداءا من 1995 جعلت من قضية الأمازيغية تدخل في المدارس، وفي 2002 أصبحت اللغة الامازيغية لغة وطنية، ثم في 2016 أصبحت لغة رسمية، يعني وكأن تقول لكل هذه التيارات، لا يهم ماهية اللغة التي تريد استعمالها المهم الإنتاج الذي يخلق منك إنسان جزائري إيجابي، وهنالك صراع آخر ظهر..

ما هو ؟

بعد كل الخطوات التي قامت بها الدولة، ظهر صراع آخر وهو جانبي جدا، ويتمثل في كيفية كتابة اللغة الأمازيغية، وهذا باللاتينية أو العربية أو حتى التيفيناغ، وهذا كلام فارغ لأن اللغة تكتب وتفهم بالحرف الذي تريد كتابته بها، فمثلا اللغة الصينية تكتب بالصينية وحتى هنالك جزأ يكتب بالعربي وحتى باللاتيني، ولكن نجد الصين في مكان مرموق اقتصاديا وسياسيا، وأقصد من هنا ليس هنالك علاقة بين اللغة والحرف أو بين الحرف والوضع العام للبلاد.

نرجع الآن للغة الأمازيغية التي تعد من أهم الملفات الثقافية المطروحة هنا في الجزائر، ما مدى نية الدولة بالحفاظ ودسترة الأمازيغية كلغة رسمية؟

الأبعاد والنية من كل هذا هو استرجاع الهوية الوطنية وإفراغ هذا المشكل الذي لا يجب أن يكون، يعني يجب أن نطرح سؤال لماذا الجميع يعتزون على أنهم جنس معين؟، ولكن لماذا الامازيغي لا يعتز بذلك؟ رغم أنه في شمال إفريقيا يوجد 98 بالمائة من هم أمازيغ، والعرب الفاتحون لديهم فترة 10 قرون وهم هنا، بكل صراحة فهذا عيب كبير أن نقول هذا عربي وهذا امازيغي، فجميعنا جزائريون.

ألا ترى أن هنالك تحد أخر متمثل في أن الامازيغية ثقافة شفوية، كيف يتم نقلها من الشفوي إلى الكتابي؟ ومن جهة أخرى لماذا لا يتم تحويل الأمازيغية إلى قضية وطنية وحصرها فقط في منطقة معينة؟

إذا كان هناك مشكل متعلق باللغة والهوية، فهذا المشكل يمكن أن تحله الدولة لأنها لن تتقدم من دون هذه الخطوة، فإذا عدنا واحتسبنا عدد الإضرابات والموتى الخاصة بهذا المشكل منذ الاستقلال نرى أنها كثيرة ولكنها مفتعلة وليس لها أي معنى ولا تخدم الجزائر في شيء، فهذه نسميها خسارة صافية، لأنه كان ممكن استثمار هذه الجهود في أشياء أخرى، لهذا فإن الجزائري عندما يسترجع هويته سيسمى جزائريا نسبة إلى التراب، وليس شيء أخر، ونرتبط مع مجتمعات أخرى في نقاط أخرى، مثل الدين واللغة، لهذا لا يجب أن نخجل بهويتنا لأننا جزائريون، والدولة هنا استرجعت مجموعة من الرموز التي تكون البنية المجتمعاتيةودسترتها، والذي يجب العمل عليه الآن يأتي من المجتمع والنخبة لأن الجزائر تنتظر منهم العمل وهذا الأمر لا يكون إلا بالخروج من مشكل الهوية.

اقرأ أيضا..