طباعة
تغول رجال المال داخل الأحزاب بهداف المصالح و الحصانة
27 شباط 2018 336

البروفيسور والناشط السياسي لونيسي:

تغول رجال المال داخل الأحزاب بهداف المصالح و الحصانة

حاورته: سارة بومعزة
حذّر بروفيسور التاريخ بجامعة وهران والناشط السياسي، رابح لونيسي في حوار له مع "الوسط"، من حجم تغول رجال المال على مستوى الواقع الحزبي، كاشفا أن بعض رجال الأعمال يستثمرون أموالهم في كسب المناصب، محددا أنواع استغلال المناصب بنوعين: الأول يستثمر أمواله في الوصول للمنصب لحيازة الحصانة والقرب من المسؤولين والثاني تبييض صورته من خلال الانضواء تحت لواء أحزاب تدعي محاربة الفساد، كما أن انتشارهم يشمل الموالاة كما المعارضة من أجل حماية أنفسهم من أي طارئ.كما أكد عن هناك الكثير من المناضلين انطلقوا من لاشيء، وتمت مساعدتهم وسهلت لهم عملية قروض بنكية تتجاوز مئات الملايير سنتيم في الكثير من الأحيان، ويبدو أنهم اختيروا بعناية ضمن الطموحين لإكتساب المال، ليتم السيطرة عليهم لاحقا وهو ما جمد عدة أحزاب على عدة ولايات، كانت مرشحة لحيازة قاعدة كبيرة.
  • سبق وأن حذرتم من حجم تدخل أصحاب المال -وركزتم أنه مال فاسد- في الحياة الحزبية، لذلك ننطلق من السؤال حول طريقة تغلغل هؤلاء في الوسط الحزبي؟
عادة ما يبدأ تغلغل هؤلاء إلى الأحزاب من باب حاجتها إلى التمويل، فمن هنا يشرع هؤلاء في شراء ذمم القيادات ثم حتى المناضلين الصغار كي يسكتوهم، ثم يربطون شبكة داخل الأحزاب مبنية على مصالح مالية، تبدأ من القيادات إلى أبسط المناضلين، وهي إما على شكل شراكات إقتصادية ومالية كبيرة أو صغيرة مع المؤثرين في الحزب، وتنتهي في الأسفل على شكل هبات وهدايا وأسفار وأيام استجمامية لفلان وعلان، وبالتالي يصبح الحزب عبارة عن شبكة مالية-سياسية مترابطة المصالح، فتتراجع المبادئ والقيم، ويتحول الحزب إلى مجرد مجموعات مصالح لا غير مرتبطة برجال المال، فهنا تحدث الكارثة الكبرى داخل الأحزاب، حيث يطرد بأساليب ملتوية ولا أخلاقية كل مناضل حقيقي يؤمن بالمبادئ والقيم ويعوض بإنتهازيين وشياتين ومطبلين لا مبادئ لهم، ويستخدم هؤلاء كجدار في وجه المناضلين الحقيقيين، فيفقد الحزب نهائيا قيمه ومبادئه، ويتحول إلى مجرد مركوب للترقية الإجتماعية سواء بالترشيح للإنتخابات أو الإستفادة من أصحاب الأموال بداخله بأشكال مختلفة، وألخص هذا كله بعبارة " إذا دخل المال الفاسد إلى أي حزب ما أفسده وأضعفه وأفرغه من مناضليه الحقيقيين"
.2- كثيرا ما يتم تداول الموضوع بالتزامن والمواعيد الانتخابية على وجه الخصوص "الشكارة"، ما طبيعة الشخصيات أصحاب المال الأكثر ميلا لهكذا تغلغل "يعني المستوى؟
يلاحظ في الجزائر منذ مدة أن قوائم الترشيحات يضعها أصحاب الأموال، وليس قواعد الأحزاب، ويتم وضعها على أساس خدمة مصالح أصحاب هذه الأموال في مختلف المجالس سواء الوطنية أو المحلية، فأصحاب الأموال اليوم يحددون من يترشح، ومن يمنع من ذلك، بل يحددون حتى الفائزين في الإنتخابات، وبتعبير آخر أصبحنا اليوم باسم التعددية الحزبية أسوء من أيام الحزب الواحد، حيث يقدم الحزب الواحد مرشحين حسب شروط الولاء للنظام، أما اليوم فأصحاب الأموال في الأحزاب هم الذين يختارون المرشحين حسب مصالحهم الخاصة.3
- أبرز النقاط التي ترى أنها تسيل لعاب هؤلاء، إن صح التعبير، يعني أكثر ما يهدفون له، السلطة والنفوذ أم ماذا؟
هناك نوعان من تدخل رجال المال الفاسد سواء في الأحزاب أو الإنتخابات، فهناك رجل مال فاسد يشتري موقعه في قائمة الترشيحات، خاصة للمجالس الوطنية بشكل يضمن فوزه في الإنتخابات، ويستهدف من خلال ذلك إكتساب الحصانة، كي لا يحاسب على فساده، وثانيا يستغل موقعه في المجلس لربط شبكة علاقات مع مسؤولين نافذين في الإدارة والدولة لخدمة وللتسهيل لمشاريعه، فشراء موقعه بالمال هي عملية استثمارية لخدمة مشاريعه وتطويرها أكثر، دون أن ننسى مواجهة كل قانون لا يخدم مصالح أصحاب الأموال، والدليل ما يحدث عند مناقشة قانون المالية حيث رغم الأزمة التي تعاني منها الجزائر إلا أن الفاتورة يدفعها بسطاء الناس من خلال الزيادة في الضرائب عليهم بدل ما يتم اللجوء إلى أصحاب هذه الأموال، وما إلغاء الضريبة على الثروة دليل واضح عن هذا التأثير، ولعل الكثير من أبناء شعبنا لا يعلمون أن مصير المواطن يتحدد من خلال القوانين والمراسيم الصادرة، أما على المستوى المحلي، فأيضا لخدمة مشاريعهم على هذا المستوى.وإضافة إلى ذلك، فهناك مثلا رجال أعمال فاسدين موجودين في أحزاب تبدو في ظاهرها أنها ضد الفساد، فهذا الوجود ذاته فيها هو تبرئة لهم، ويلجؤون في بعض الأحيان إلى الترشح في قوائم، يختارون لها رجال معروفين بنزاهتهم، ويضعونهم في الواجهة بعد الضغط عليهم بأساليبملتوية، خاصة إذا كان هؤلاء النزهاء لا يعرفون حقيقة أصحاب هذه الأموال، لكن في الأخير هدف أصحاب هذه الأموال الفاسدة هو الحصول على شهادة نظافة ونزاهة من خلال ربط أنفسهم مع هؤلاء الذين ترشحوا معهم والمعروفين بالنزاهة من كل السكان، وفي حالة ما اكتشف المترشح النزيه حقيقة ذلك وأنه قد وظف من مال فاسد يصعب عليه الانسحاب في وسط الانتخابات، أي يصبح في مأزق يمكن أن تمس حتى بسمعته، وإذا انتفض ضد أصحاب هذه الأموال يتعرض للتشويه وغيره من الممارسات اللاأخلاقية منهم.
  • قلتم أن الإشكالية تمس كل الأحزاب وليس فقط الموالاة، هل من تفاصيل أكثر؟
إن الصعود القوي لرجال المال الذين كسبوا أموالهم بأساليب مشبوهة في الجزائر وتحولوا إلى العامل الأكثر تأثيرا في صناعة القرار، فإننا نقول أن أصحاب هذه الأموال هو الحزب الكبير إن لم نقل الوحيد في الجزائر، يكذب عليك إن قيل لك أنهم في صراع فيما بينهم، بل بالعكس يشكلون تنظيما غير معلن، وينسقون فيما بينهم من أجل حماية أنفسهم من أي طارئ أو مفاجأة ولخدمة مصالحهم، وذلك يتطلب منهم السيطرة ليس فقط على أحزاب الموالاة، بل حتى على أحزاب المعارضة، ويوزعون الأدوار فيما بينهم، فكل واحد منهم في موقعه بشكل أو بآخر، فالهدف من سعيهم للسيطرة على أحزاب المعارضة، خاصة اليسارية منها فالهدف الآني تحييدها، وكي لا تعرقلهم في مشاريعهم ثم تفرغها من برامجها الإجتماعية بحكم أن أحزاب اليسار معروفة بدفاعها عن الطبقات المحرومة والعدالة الإجتماعية، ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الكثير من مناضلي وقيادات أحزاب المعارضة تم شراء ذممها كي تتحول إلى خادمة للمال الفاسد داخل هذه الأحزاب ذاتها، لعلي سأفاجئك إن قلت أن هناك الكثير من المناضلين في أحزاب معارضة، انطلقوا من لاشيء، وتمت مساعدتهم وسهلت لهم عملية قروض بنكية تتجاوز مئات الملايير سنتيم في الكثير من الأحيان، ويبدو أنهم اختيروا بعناية ضمن الطموحين لإكتساب المال، لكن هل تعتقد أن ذلك تم مقابل لاشيء أم يدخل في إطار إستراتيجية لرجال المال للسيطرة على هذه الأحزاب، فعندما يبدأ تغلغل أصحاب هذه الأموال بداخلها يبدؤون في إفساد المناضلين، خاصة القيادات، فيربطونها بشبكة مصالح مالية، وتتحول إلى حليفة لها، أعطي لك مثال هناك ولايات في الجزائر معروفة بشبكة فساد مالية واسعة جدا، ومن السهل جدا أن تنتشر فيها بقوة الأحزاب اليسارية بحكم ظروف هذه الولايات، لكن تجد هذه الأحزاب موجودة فقط على الورق، ولو تبحثين جيدا وتقومين بتحريات بسيطة، تجد يتحكم فيها على المستوى المحلي أصحاب مال يبدو أنهم مكلفون من "حزب المال الفاسد غير المعلن" بتجميد هذه الأحزاب، أي أحزاب موجودة، لكنها لا تغرق ولا تتحرك، بمعنى تتحول إلى مجرد رهينة في يد أصحاب هذه الأموال كي لا تقلق شبكات المصالح المالية الموجودة على المستوى المحلي مقابل خدمة المتحكم فيها، أي أحزاب موجودة، لكنها ضعيفة جدا وغير مقلقة.
  • وما هي طريقة تعاطي رؤساء الأحزاب والقواعد؟
كي أجيب على سؤالك، أود أن أروي لك حادثة لصديق لي هو أستاذ جامعي بكفاءة عالية جدا في مجال الإعلام والدعاية، كان مناضلا في أحد الأحزاب في إحدى الولايات، لكن المسؤول الولائي لهذا الحزب -شبه أمي تقريبا-، لكن يمتلك أموالا طائلة، فذهب هذا الأستاذ - المناضل إلى المسؤول الوطني للحزب يشكوه ويقول له أنه يخرب أكثر مما يخدم الحزب، فلم يكن رد هذا المسؤول الوطني للحزب إلا الإعتراف بذلك، لكن أضاف له "أن الحزب يحتاج إلى ماله، وماذا سيفعل بعلمك وكفاءتك"، ليكتشف هذا الصديق أن مسؤول الحزب هو الذي يستفيد من ماله ومستعد أن ينفذ كل طلباته، فلم يبق من هذه الكفاءة إلا الإستقالة ويطلق العمل السياسي بالثلاث في الجزائر، أي بتعبير آخر ترضخ لهم القيادات ولكل مطالبهم، فهم يتحكمون بقوة داخل الأحزاب بأموالهم خاصة قيادات الأحزاب، فقد صرخ يوما مسؤول وطني لحزب معارض يستجدي مساعدته، لأنه غير قادر على تغيير مسؤولين محليين بسبب ضغوط أصحاب المال الفاسد، كما يتحكم أيضا هؤلاء في القواعد المنقسمة على نوعين: هناك قواعد إنتهازية ترضخ لهم مقابل مكاسب تتفاوت من كبيرة إلى هزيلة جدا ومضحكة في بعض الأحيان، أما المقاومون المؤمنون بالمبادئ، فهناك من يسقط أمام الإغراءات، ومن يقاومها يجد نفسه خارج الحزب شيئا فشيئا بإستخدام أساليب لا أخلاقية ضده ثم عزلة بجدار من كل هؤلاء الإنتهازيين والمستفيدين من المال الفاسد بشكل أو بآخر، ولهذا انتهت الحياة السياسية في الجزائر تقريبا في أغلب الأحزاب التي أصبحت تحت تأثير رجال المال بدرجات متفاوتة من حزب لآخر .
  • أيضا هل يتم التغلغل بالانخراط وحيازة المناصب القيادية أم الضغوط من خلف الكواليس بقرارات تخدم مصالحهم؟
كل صاحب مال له أسلوبه، وتتحكم هنا حجم رجل المال، فهناك من يحوز المنصب كي يخدم به مصالحه ويربط به شبكة علاقات مع الإدارات المختلفة مثله في ذلك مثل رجل المال المنتخب، وهناك من يضغط خلف الكواليس.
  • إن أمكن أيضا كأستاذ متخصص في التاريخ تشخيص الاشكالية وإلى ماذا تعود، ومنذ متى تم تسهيل تغلغلهم؟
هذا السؤال تطول الإجابة عليه، ويبدو أن المساحة لا تسمح لذلك، وقد كتبنا عدة مقالات عن تغول المال الفاسد وتطوره والذي بدأ في الحقيقة مع بدايات الإستقلال، فالنظام الإشتراكي الأحادي صنع لنا برجوازية بيروقراطية أي الذين نهبوا الأموال بإستغلال مناصبهم السياسية والإدارية، فحتى بعد خروجهم استخدموا شبكاتهم التي يمتلكونها من قبل، وبقوا هم وأبناؤهم وكل من اغتنى يبحث عن مواقع التأثير لخدمة مصالحهم وحمايتها، فكانت الأحزاب منذ سنوات إحدى هذه المواقع التي تغلغلوا إليها بقوة، فقد بدأت عملية التغلغل في الأحزاب الإسلامية من طرف كبار المستوردين الذين كانوا يترشحون على رأس القوائم ويقنعون مناضلي هذه الأحزاب بأن "الدعوة تحتاج إلى الأغنياء"، فتحكموا في بعضها فيما بعد، ثم أنتقل الأمر في السنوات الأخيرة إلى أحزاب اليسار، وهؤلاء هم الذين يختفون وراء أزمات هذه الأحزاب وعملية الإفراغ من مناضليها الحقيقيين المتشبعين بأفكار العدالة الإجتماعية، فقد كان المال الفاسد وراء الإفساد التام للحياة السياسية والحزبية في الجزائر اليوم ولهذا يجب على مناضلي أحزابنا تحريرها من أصحاب المال الفاسد والعمل بكل جدية من أجل فصل المال عن السياسة فتعود هذه الأخيرة لأصحابها الحقيقيين فتتقوى الأحزاب بمناضليها القادرين على معالجة مشكل التمويل التي دخل من خلالها أصحاب المال الفاسد، فأفسدوا البلاد والعباد.