الإنتخابات أكثر من ضرورة إذا أردنا إخراج البلد من النفق
09 تشرين1 2019 239

الإعلامي المعارض أنور مالك:

الإنتخابات أكثر من ضرورة إذا أردنا إخراج البلد من النفق

شفيقة العرباوي

تمر الجزائر بمراحل عصيبة اختلط  فيها  النابل  بالحابل واختلطت الموازين  لدرجة  أصبحنا لا نعلم  من يخدم وطنه  بتفان واخلاص  ومن هو متورط  في أجندة العدو  يعمل دون أن يعلم أو ربما عن قصد واصرار لزعزعة إستقرار البلد،  ففي الستة شهور الأخيرة  بدأت الأمور تتباين علينا واضحة التخوين  وأزمة الثقة أهم ما يمز علاقاتنا  ببعضنا  التي انعكست نتائجها مباشرة  على بلدنا،  الذي  هو اليوم بصدد محاربة ومكافحة المتربصين به، فوجب الاستثمار في المواطنين  والأشخاص الذين  لا يقايضون بالوطن،  بل  يضحون من أجله  ويدركون حجم المؤامرة التي تحاك ضده  في الخارج والداخل،  في هذا السياق تحدثنا مع الناشط السياسي  والإعلامي انور مالك ، المعارض الشرس  للنظام السابق، عن الوضع العام للبلد وامكانيات وآليات الخروج من الأزمة التي تخنق وطننا والمفاهيم الهجينة التي أنتجها الحراك  في أسابيعه الأخيرة، وكيف يمكن أن يعاد بناء الوطن في ظل الرهانات الدولية العامة.

 

حاورته: شفيقة العرباوي

 الأستاذ انور مالك، غادرتم الجزائر منذ أكثر من ١٥ سنة ولم يكن ذلك طواعية طبعا، هل ممكن أن تحدثونا عن ظروف  تلك الحقبة من حياتكم؟ 

 

أنور مالك: لم أتصور يوما أن أغادر الجزائر ولم تكن في أجندتي أن أعيش بعيدا عن وطني، إلتحقت بالمؤسسة العسكرية وكانت كل طموحاتي أن اخدم وطني بكل ما تمليه اخلاقي كجزائري حر ومثقف يدرك حجم التحديات التي تواجه بلدنا، وكما هو معروف كل عسكري يحلم أن يصل  إلى أعلى الرتب والمناصب وهو طموح مشروع غير اني كنت أملك من الميول الفكرية والأراء السياسية ما جعلني أبحث دائما عن متنفس للكتابة  واستخراج  ما يلج في داخلي من افكار ووجهات نظر، فكتبت مع مجلة الجيش  وافكاري  لم تكن تتماشى بشكل قطعي مع الخط الافتتاحي للمؤسسة انذاك، وكنت أيضا  اتعاون مع بعض الصحف التي كانت تتنفس نوعا من الحرية في خطها الافتتاحي وهنا بدأت -ان امكن القول- تتوسع  نقطة الاختلاف وليس الخلاف مع المؤسسة، لان الجوهر كان  الوطن  و هي نقطة تقاطعنا القوية  في ذلك  فلم نختلف  عنه،  اذ ان كتاباتي مع الجرائد الاخرى  كانت بمثابة  الخروج  عنالخط  الذي  ترسمه المؤسسة  لجميع المنتمين اليها، وحينها ايضا  كانت تحيط  بنا ظروف تميزت ببروز  التيار الاسلامي اين  تنامت الافكار التحررية  واختل الوضع  واضحت الظروف دامية  في التسعينات حيث لم نكن نفرق بين من المحق ومن هو على باطل، إذ القاتل لا يدري لماذا يقتل وايضا المقتول قديجهل سبب قتله. كما اني تعرضت  لكثير من التخوين في تلك الفترة العسكرية وحتى بعدها لما رفضت الالتحاق بالعمل وتعرضت لملاحقات والقضاة اجتهدو في صياغة أشكال التهم والتلفيقات، فسجنت لفترة  كانت ردود فعلي حينها تعبر عن  روح التمرد  وعدم الانصياع لقوة العسكر، فكنت لا أجيب على استدعاءات الشرطة، فسجنت  ثانية  ثم حاولت الهروب عبر تونس  باسم مستعار وتم القبض علي  وبعدها وصلت لقرار نهائي وهو ان أخرج من الجزائر  واتوجه الى فرنسا رغم اني ابن مجاهد ولكن وجهة فرنسا، كانت فقط  لإحراج النظام واستفزازه الذي خذلني في بلدي.

 

 ارتبط اسمك بالإثارة والمغامرات فما حكايتك مع السجن وابو جرة سلطاني:

أنور مالك: السجن حينها كان بمثابة تعود اذ أودعت في السجن المدني والعسكري وكنت أدرك جيدا أن الضريبة لابد منها اذا اصررنا على معارضة المنظومة القائمة آنذاك ثم نظام بوتفليقة الذي ساد حينها ومارس كل أشكال المضايقات علينا لمجرد أننا لم نكن نوافقه في إستراتجيته وسياسته، فكنت ممنوعا من السفر ولم ينته الأمر  هنا، بل كنت تحت الإقامة الجبرية ولوحقت في كل تحركاتي.

أما بالنسبة لسلطاني فحكايتي معه -رغم أني طويت الملف- سأسرد لك بعض تفاصيلها... في فترة ما من عملي كلفت باعداد تقرير عن الجزائريين الأفغان و ما توصلت إليه من ملفات يدين بشكل خطير النظام القائم آنذاك وأيضا، بشكل خاص السيد سلطاني نظرا لعلاقته مع الشبكات الأفغانية التي كان  ينشط سريامعها وهو وزير وهنا الأخطر، النقطة السوداء التي لا يمكن لسلطاني أن يمحوها من تاريخه المتعفن هو تجنيده  لشباب جزائريين  أبرياء في شرق البلاد، عبر شبكات افغانية متطرفة ، المفارقة  الكبرى ان هؤلاء الشباب المتورطين  كانت  الدولة من جانبها  تنكل بهم، وتلاحقهم  رغم أن الوزير المتربع على عرش وزارة في حكومة النظام نفسه  انذاك،  هو  المسؤول على تورطهم ، هو الذي كان يتاجر بهم  ويقايض بهم  ضمن شبكات تشير المعلومات التي توفرت لي حينها أن الذين يعملون في مجال التجنيد يتلقون مبالغ قدرت ب 3000 دولارا للرأس.

فهؤلاء الشباب  كانوا ضحايا توجهات ايديولوجية وفكرية المسؤول الأول عنها هو ابو جرة سلطاني وتياره الاخواني انذاك. في تقريرنا أبرزنا ذلك للسلطات العليا، معتقدين أن تتخد إجراءات صارمة ضد من  ورط هؤلاء الشباب، أي أبو جرة سلطاني. لكن الأمر كان عكس ذلك تماما، بعد ايام تم القبض على إبن بو جرة سلطاني متورطا في قضية مخدرات فتدخل وزير الدولة سلطاني  في مسار التحقيقات وحولها إلى عملية مؤامرة وكأني  أنا الذي شاركت في شبكة تحريض من أجل التلفيق التهمة لإبنه الذي ثبت تمت ملاحقته فيما بعد بتهم الإدمان وحيازة المخدرات .... فسجنت  بسببه  وزارني  هو وعلي  تونسي  مديرالأمن انذاك، في السجن  فكان سلطانى بحكم  تواطئه مع النظام  أقوي من اي محاولة اقناع السلطات أن القضية أكبر بكثير من تعنت شخصي بيني  وبينه أو انتقام، غير انه  وبعد خروجي من السجن وسفري إلي باريس إتضح ان ابن سلطاني مدمن  مخدرات  وأتى به إلى  باريس ليعالجه. فتابعت سلطاني قضائيا في سويسرا  فهرب من سويسرا بمساعدة  أناس في النظام الجزائري، ثم  حولت الدعوة إلى الامم المتحدة التي بدورها أصدرت بيانا بإدانة الدولة الجزائرية فيما يتعلق بهذا الملف.

 

دخولك السجن وخروجك بإستمرار جعل الناشطين الاعلاميين والسياسين يقولون أنك إبن المخابرات وأن كل هذا هو مجرد سيناريوهات لاداء دورك المخابراتي ام انك الابن الظال للمخابرات؟ 

 

أنور مالك: أنا أبدا لم أخف أنني كنت يوما في المؤسسة العسكرية وأعمل مع الدولة الجزائرية، كما أنه لو كان لي تعامل مع جهازها الاستخباراتي فهذا أعتز به لأني جزائري وأخدم بلدي  في كل الحالات، أما فيما يتعلق بعلاقاتي بالمخابرات فليس لي علاقة بها ولم اعمل فيها يوما فقد كنت ضابطا في المحافظة السياسية فقط وأفتخر بذلك ويشرفني ما قدمته لبلدي عبر منصبي كضابط سابق وإعلامي حاليا.. الحقيقة أن هناك الكثير من الاشاعات التي تطالني منذ سنوات طويلة بأني كنت مدعم من طرف المؤسسة من أجل اختراق المعارضة في الخارج وأن حكاية صراعي وخلافي مع المؤسسة ما هو إلا سيناريو لتمويه بعض الأطراف في الداخل او الخارج، غير أن الأمر لم يكن صحيحا بالمرة.. فهل توجد معارضة قوية في الخارج لتتطلب حقا اختراقها، المعارضة اصلا مخترقة لبعضها والمعارضون في الجزائر معروفون أنهم يقدموا معلومات عن بعضهم البعض، فلم تكن الحاجة لاختراقها، خاصة اذا علمنا أن كل ما كان معارضة هو من صناعة النظام.. وأذكر أيضا أنها نفس الحكاية ترددت في المغرب فقد روج عني أني كنت في عملية إستخباراتية مضادة  وهي ايضا تهم مصدرها هم أشخاص زملاء، لأنه بمجرد ما خرجت من المؤسسة العسكرية تلقيت وابلا من التهم والتلفيقات، لدرجة أتهمت بالانتماء لسبع اجهزة امنية في العالم، فهل يعقل أن أكون عميل سباعي؟ هذا لم اسمع به من قبل سمعت بان هناك عميل مزدوج... لكن سباعي هذا غريب..!

عندما يتكاثر اعداءك، فتوقع أن يجري العمل لضرب مصداقيتك في الصميم وأن تتهم بالخيانة والتواطؤ لخدمة أجهزة العدو.  ومرت الظروف  بكل ثقلها لتصقل تجاربي الأمنية والإعلامية لأكون اليوم كما أنا بكل الخلفيات التاريخية التي عايشتها داخل الوطن وخارجه.

 

هل التعاون مع المؤسسة العسكرية أو المخابرات يعتبر تهمة تبرر التخوين؟

 

أنور مالك: طبعا لدى الدول العربية ودول العالم الثالث تعتبر التعاون مع الأمن تهمة، بينما في الدول الغربية كفرنسا، أمريكا و إنجلترا أو غيرها من الدول الغربية ، الامر يدخل في  حيز المدنية  والوطنية ، فالفرنسي عندما يرى مخالفة يقوم مباشرة بالتبليغ، وهذا الحس المدني هو مقياس  والباروماتر الحقيقي للتحضر  والتطورفي الدول الأجنبية، التي نحاول في كل مرة أن نقارن أنفسنا بهم، عندنا يسمى المتعاون مع أمن بلده بالبياع  ويخون ويتهم بشتي التلفيقات، فهنا القضية أعمق وأخطر من أي تصور، ففكرة الإنتماء للوطن يجب ان تدرس من جديد … ، غير ان العيب الحقيقي هو ان تتعامل مع الاجهزة الاجنبية  هنا  يعتبر تخابر وخيانة و يصنف جريمة ايضا… ان  فكرة التعاون مع الامن  والمخابرات من اجل الوطن يدخل في حيز المدنية والوطنية لأن المصلحة تفوق أي طموح شخصي أو مادي بل هي  قمة الإنتماء والاعتزاز بالوطن..

 

 مصادر عسكرية ترى أنكم  تفوقتم في  مهمة اختراق صفوف المخابرات المغربية وكشف شبكاتها وتعاطيها مع جزائريين في الخارج 

 

أنور مالك: هذه حقيقة، فبحكم اني اعلامي ربطتني علاقات مع الطبقة المثقفة في المغرب وتعاملو معي كاعلامي ومفكر، الامر الذي مكنني من جس النبض ووضع يدي على الكثيرمن الحقائق التي لو كنت اشتغل داخل جهاز معين لما استطعت ان اصل اليها، اذا ان مبادراتي الخاصة والفردية كانت تمكنني في كل مرة من الوصول الى معلومات لم  تكن عامة ولم يكن بامكان اشخاص مجندين بشكل رسمي ان يتحصلوا عليها، من جانبي ايضا كنت  في محيط من الاعلاميين  الذين  كانو ياخذو  تصريحاتي   بكثير من  الاهتمام فكنت  انتقد الوضع الحقوقي  في الجزئر  وايضا في المغرب،  مما جعلني عرضة للهجوم من قبل الموالين للنظام الجزائري،   الأمر الذي مكننيوجعل حضوري الاعلامي مثير جدا في ذلك الوقت بحكم تجربتي العسكرية، وهو ما جعلني هدف لاطراف في الامن المغربي حيثوا حركوا اعلاميين  ومثقفين وايضا بعض الرسميين  اذ استدعيت مرة   لتنشيط ملتقى فكري حول  الامن القومي المغاربي   في الداخلة -الصحراوية المتنازع عليها بين البوليزاريو والمغرب - وهذا ما ازعج  سلطاتنا في الجزائر،  فانا  مشيت للمنطقة في اطار فكري  وعلمي  اي كمثقف  رغم ان السلطات المغربية كانت تتعامل معي كصيد استخباراتي  وكل هذا درسته في الكلية  وادرك كيفية التعامل معه. ايضا  شاركت في ملتقى اخر حول الحريات وحقوق الانسان فاتحدث  في العموم عن الواقع المرير لدول المغرب  جميعا غير انهم  كانو ياخدون في كل مرة  التدخل الخاص بالجزائر  لدرجة  اني  صنفت من النظام الجزائري  بالخائن والمتعاطي مع النظام المغربي وهذا طبعا يدخل في جملة التلفيقات والمؤامرات التي  تحدثنا  عنها  في السؤال السابق .  مباشرة بعد خروجي من المغرب قمت بنشر كتاب «المخابرات  المغربية وحروبها السرية عن الجزائر»  الذي  بعد صدوره  مباشرة راحت الصحف المغربية  تنشر: انور مالك عميل المخابرات الجزائرية في المغرب فاستغربت  لما  تداولته الكثير من الصحف  التي كانت تصفني بالمثقف ثم  غيرت  التسمية لتحولنيلاكبر عميل  جزائري اخترق المخابرات المغربية  فرديت عليهم  اتفقو اولا هل انا مفكر واعلامي ام عميل ؟ لانهم في البداية روجوا  وفتحوا امكانية النشاط الفكري علـي اساس اني مثقف واعلامي.

 

ما حكاية سويداية والملفات التي سرقها منك لينشرها في كتاب وقعه باسمه؟

 

أنور مالك: هذا الشخص لا يستحق ان نعيره الإهتمام او نتحدث عنه لانه لا قيمة له ولن اشرفه بالتحدث عنه، واستعمل كأداة في الترويج  لنظرية « من يقتل من  في الجزائر؟ »، المهم  أن الشخص الذي ذكرتموه قبع في السجن معي لمدة، الامر الذي سمح لي  ان   اتعرف على مستواه الفكري  والعلمي  عن قرب فهو غير قادرعلى كتابة رسالة لأمه المريضة ليطمئنها  عن نفسه اي لا يتحكم في  ملكة الكتابة فكيف له ان يؤلف كتاب  والايام اثبتت قيمة  وحقيقة مثل هؤلاء. 

 

كيف كانت علاقتكم مع الجنرال توفيق والنظام القائم انذاك؟

 

أنور مالك: لا علاقة لي به من قريب او من بعيد، غير أن اهتمامه بشأني بعد أن تابعت ملف تعذيبي في الامم المتحدة والقضاء السويسري المحور حيث يوجد توفيق بوسطيلة و تونسي والمعني مباشرة ابو جرةسلطاني في قائمة المتهمين بحكم مناصبهم … اذا ان الجنرال توفيق  وعن طريق شخص افضل لا اذكر اسمه،  فطلبوا مني ان اسحب الدعوة  من الامم لمتحدة  فوافقت  وجمدت الدعوة بشرط  ان تقبل دعوتي ضد سلطاني  في القضاء الجزائري، واتفقنا على ذلك، بتحفظ من جانبي  طبعا .. غير ان شكوكي  كانت في محلها  والقضاء  رفض دعوتي  ضد سلطاني  فاعدت بعث الملف  مجددا في الامم المتحدة   غير ان فيمثل هذه الحالات  الدعوة  تكون ضد الدولة الجزائرية … حينها تاكد لي  ان سلطاني يستفيد بشكل  رسمي من تغطية وحماية  الحكومة الجزائرية والجنرال توفيق شخصيا حيث رفضت دعوتي ضده رغم انه  المتورط فعليا في تعذيبي، فضلا عن الزج بالشباب الجزائري  في ملف الأفغان وهذا ملف خطير  لا يمكن الإسهاب  فيه في هذا الحوار لان اطرافه متشعبة خاصة اذا انه في نفس المرحلة هذا الشخص كان يحوز على كل الامتيازات من نظام بوتفيلقة بل ولم يستخسر فيه حتى مناصب عليا كوزير وغيرها.  

 

بشكل عام أداء المخابرات الجزائرية يشهد له بكثير من النجاح والتفوق مقارنة مع مخابرات دول عربية أخرى وحتى أجنبية 

 

أنور مالك: هذا لا شك فيه، فإمكانيات وكفاءة المخابرات الجزائرية لا تضاهيها أخرى في العالم العربي فهي الأولى التي أستطاعت أن تخترق الموساد والمخابرات الإسرائيلية والجزائر لها تاريخ كبير  في المجال الاستخباراتي ولعبت أدوارا قوية في العلاقات الدولية وهناك رجال وضباط شرفاء يعملون باستمرار على حماية الوطن ويضحون باستمرار من اجل استقرار الجزائر ويجب الاشارة أن نخبة النخبة  هي اليوم في مراكز القرار بالمؤسسة المخابراتية او العسكرية، اي الجيش الوطني إجتاز أطوارا مهمة في الاحترافية ولوحة التحكم هي اليوم بيد الصفوة من  رجال الأمن ، أي لا خوف على الجزائر لكن ايضا هناك بعض  العناصر لحسن الحظ هم قلة قليلة من أساؤا للمخابرات الجزائرية في الخارج  عبر  المهام التي كلفو بها خارج  الوطن، فلم يكونوا في مستوى المسؤولية، التي كلفو بها، فهناك من دخلو في عمليات بزنسة مستغلين بذلك مناصبهم الامنية والحديث في هذا الملف طويل ومتشعب.   

 

ماهو تقييمكم للمعارضة والوضع السياسي وكيف تقيمون حركة حمس في الفترة الاخيرة؟

 

أنور مالك: الوضع يكشف ذاته ونحن في ازمة  فساد حقيقية، فالفساد في زمن بوتفليقة ليس له نظير حتى في العشرية  السوداء لم تعش الجزائر تراجعا مثل الذي  تسبب فيه  النظام السابق، اذ تحول الفساد الى برنامج قائم بحد ذاته والادلة  اكبر من ان نختزلها في  مشهد اوقطاع معين،  فمثلا البرلمان الذي سماه الكثيرون ببرلمانالحفافات نموذج للانحدار الذي عرفته الدولة في جل المؤسسات، نحن ندفع ثمنه اليوم ، كل الانحطاط المالي والاقتصادي  والفكري هو نتاج لتصرفات وسلوكات بل قرارات كان وراءها المسؤولون السابقون وهذا على المستوى السياسي ، بينما  على مستوى  المعارضة  ودور الفعاليات السياسية  ابان  تلك الفترة وحتىاليوم ،  فقد كانت اكبر اكذوبة في التاريخ السياسي الجزائري  اذ تحولت الاحزاب التي  يفترض انها اسست من اجل  المعارضة والمساهمة في بناء البلاد  بالشكل  الصحي  اضحت  تلعب  في  مرمى السلطة  وتتواطء معها - بعدما اخترقتها السلطة القائمة - من اجل تمرير برامج  ضد مصلحة الشعب  فاين هيالمعارضة  واين هو هدف  وجودها  اصلا ؟  المعارضة التي لا  تملك  برنامج  ورؤية وتكتفي  فقط بمعارضة السلطة القائمة ليست معارضة …المعارضة  التي  تقبل  ان  تتحول الى دكاكين  لعرض  افكار الراعي الاول  للبلاد والترويج  له  ليست  معارضة  فهي قبلت ان تقايض  وتساوم  وتحقق امتيازات بالشكلالذي يضمن لها  الاستمرار كالطحالب  تتغذى من وجود النظام القائم وليس  لها كيان مستقل اذ افرغت من روحها الحقيقية .

 اما من الناحية الشكلية  فلحد الآن لا نرى أحزابا أو ممثلين لمعارضة يحملون برنامجا محدد المعالم أو لديهم مواقع إكترونية ليتواصلون عبرها مع المجتمع، فادنى اشكال الاستثمار غير موجودة   لدى  هؤلاءالاحزاب  كيف يفرضون وجودهم او كيانهم كمعارضين فاعلين وهم يفتقدون لابسط وسائل الاتصالوالتواصل مع المواطن. اما تلك المعارضة الراديكالية التي لا يمكن تقبلها باي حال من الاحوال وهي التي   تحرض على الاستئصال  بالسلاح  والتصفية الجسدية والفكرية لكل من لا يسير في نهجها  فهي   غير مقبولة  ويجب  محاربتها،  لانه لا يمكن ان نحمل السلاح  ضد  بعضنا من اجل  ايديولويجة  معينة اوافكار  سياسية  و ايضا هناك المعارضة التي  فضلت ان تناضل من الخارج،  وهذه الاخيرة  ايضا عليها عتاب كبير  لان اغلبها لا يهمه البلد بقدر ما  تهمه المآرب الشخصية وهي ابعد بكثير من الانتماء الى الوطن والخوف على مستقبله  مع الاسف الشديد  هاته الأخيرة نمت بشكل كبير في انجلترا وفرنسا  وهي غالباما  تكون  استثمارا وتمويلا من اطراف تكن  عداء تاريخيا للجزائر . فالمعارضة التي  خلقت لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب لا يمكن وضعها في اطار النشاط السياسي  .. يمكن تأطيرها في اطار البزنسة لا غير    اما بالنسبة لحمس فلا يمكن ان نطلق عليها اسم حزب سياسي بل هي شكل من اشكال  التكتل الانتهازي  الذي  يبحث عن التموقع في ظل نظام قد تتحدد معالمه لاحقا. وهو الدور الذي جسدته هذه الاخيرة في عدة مراحل من نشاطاتها السياسية فهي  تساوم ، تقايض، تبتز  وقادرة  على لعب  اي  دور من شأنه أن  يبنيلها  كيان  ولو من ورق،  فمثلا موقفها في ثورات ما سمي الربيع العربي وضعها في حجمها الحقيقي،  فراحت منسحبة من السلطة  معتقدة أن ذلك قد يقربها من القاعدة الشعبية،  فكانت  خطيئتها الكبرى حين  تواصلت مع قطر لضمان موقعها من جديد، فبعد أن فشلت حمس في اللعب مع الكبار  فقدت بريقها،  وللتذكيرحمس ليس حزبا جزائريا كما يعتقد الكثير بل هي ذراع لتنظيم أخوان المسلمين في الجزائر  لهذا  لا أصدق أن حمس تهتم  بالأمن القومي الجزائري.   

 

كيف تعتبر االحراك الحزائري مؤامرة فيما اعتبرت حراك سوريا ضد الجيش، ثورة شعب؟

 

أنور مالك: يجب ان نعلم ان  اكثر  ما يضر الثورات الشعبية  هو  التدخل الأجنبي وأشكال التحريض المتعددة، لا يمكننا أن نقارن بين الوضع في سوريا  والجزائر  ولا يوجد  اي  نقطة  تقاطع  بين البلدين ولا الشعبين  باعتبار ان الثورة في سوريا كانت ضد نظام  مستبد، قامع لكل أشكال الحريات ويستمد قوته من قوى خارجية تحمل التطلعات الاستعمارية،     وانا أبدا لم اعتبر الحراك الشعبي مؤامرة، بل هو  ضحية مؤامرة  أطراف جزائرية تنشط في الخارج عملت على إفراغة من محتواه الحقيقي، والفرق كبير بين  المشهد السوري  والمشهد الجزائري، الوضع مختلف تماما، انا لما مشيت لسوريا كتبت قبلها باسابيع مقالا تحت عنوان ليس هذا الربيع الذي نريد، لكن لما ذهبت الى سوريا وقفت على اغتيالات وقتل يقوم بها الجيش السوري، المشكل من ميليشيات تقوم بجرائم ضد الشعب، عكس ذلك في الجزائر لم تسقط ولا قطرة دم، ولم تطلق       رصاصة واحدة، بل الجيش  كان المؤمّن للحراك والمتخندق معه.   لا يمكن  ربط الوضعين ومقارنتهما تماما، الساحات في سوريا كانت  فيها  قاتل ومقتول وانا  بوصفي في مهمة انسانية كان علي  ان  اقدم تقريري  بما يمليه عليا ضميري فرفضت التوقيع  على  ما قدمته اللجنة لانه لم يكن في امكاني تجاهل معاناة الشعب السوري  وما كان يعيشه من ظلم ومن طرف النظام السوري.

بينما الحراك الشعبي في الجزائر ليس  جديدا، فنحن جربنا كل المحطات السياسية  من حرب، إرهاب، ديمقراطية وغيرها، الجزائريون يملكون من النضج والوعي السياسي  الذي  يجعلهم لا ينساقون  وراء الافكار الدخيلة التي تريد تحريكم، فالحراك  تصرف سياسي صحي  جدا وحق شرعي  اذا كان  هدفه التغيير نحو الافضل  وبناء أسس الشفافية  ودولة القانون ، والشعب الجزائري من حقه ان يطمح  لأفاق واعدة  فيما يتعلق بمستقبله السياسي  والاجتماعي والاقتصادي لانه يملك مقومات ومبررات ذلك الطموح، وأولها كما ذكرت، النضج السياسي والتجارب السابقة، ضف الى ذلك الامكانيات التي تسمح  له بان  يحقق الحياة الكريمة واظن هذا اهم اسباب  تحرك الشارع اليوم،  لكن  علينا ان نضع النقاط فوق الحروف  وندق ناقوس الخطر بتنبيه الشعب بان الحراك في جمعاته الأولى كان على حق اما اليوم فقد تعددت التدخلات من أطراف ندرك جميعنا انها تنساق وراء مصالحها وتنشط في اطار اجندة خارجية لا يجب ان نفتح أمامها المجال لزعزة بلدنا لان هؤلاء مصالحهم خارج الجزائر … فعلى  الحراكيين  او الشباب الذين يخرجون كل جمعة ان يتذكروا جيدا بان العصابة في مجملها قابعة بالسجن  ومصيرها لن يكون هينا  وهذا اهم مكسب حققه الشعب… التفاصيل الاخرى والمطالب التي  يثريها اليوم المتآمرون بايعاز من جهات  هدفها التخلاط ،فمن غير المنطقي ان نرفض الانتخابات  ونصر على احتلال الشارع  بلا انقطاع، هنا نشتم رائحة المؤامرة غير النظيفة لانه ، من غير المعقول ان يحدث تغيير في البلاد دون أن نمر على الصندوق،  فمن هو المسؤول الذي سيشرف على باقي التغييرات  وهل بالامكان  التحاور مع مليون شخص، اذا فرضنا أن الحراك  مليوني في عدده وحجمه، ولما رفض الحراك أن ينصب ممثلين عنه  يتواصلون مع السلطات ؟ غيرها من الاسئلة التي تجعلك تتيقن في كل مرة أن  أطرافا خارجية هدفها الابقاء على الوضع على ماهو عليه،  لهذا رايي  ان الآلية الوحيدة التي يمكنها ان تحافظ على ما تحقق من مكاسب هي المشاركة في الانتخابات  وتبنى فكرة التغيير بالمرحلية والتدرج لانه ومع نفس وتيرة التغيير لابد  للمؤسسات الدولة ان تبقى تؤدي  وظائفها  كما ينبغي  حتى تتحقق كل الاهداف . 

 


كيف تحللون السياق الذي اتى فيه الربيع العربي ؟

 

أنور مالك: ان تبحث الشعوب على تطوير ذاتها وتغيير وضعها وارساء الشفافية والعدالة فهذا طموح شرعي لكل المجتمعات الانسانية لا يمكن الوقوف ضده، غير ان الأساليب  لتحقيق كل  ذلك لا يجب ان تمر عبر اجندة تحددها  دول اجنبية بتواطؤ  مع  اطراف داخلية ، قد تكون بسبب العداء في اغلب الاحيان، اذ يجب ان نعترف بان الربيع العربي كان اجندة اوبامية هدفها خلق الفوضى الخلاقة  وخريف الانظمة العربية   حينها كان يبرر طموح  واحلام الاخوان في السيطرة  وايضا  كانت  تسود  حينها فكرة اسقاط كل  الانظمة العربية وفق مقاربة امريكية كانت قائمة انذاك،  غير انه من جانبنا لا نؤمن  بان  الربيع العربي  كان قالبا ناجحا لجميع الدول العربية  فكل  بلد لديه خصوصياته السياسية  والأمنية  والاقتصادية   ولا يمكن  إعتبار الربيع العربي حلا لمشكلة البلدان العربية  والإسلامية  لأنه كان بمثابة أجندة حركتها قوى خارجية بمساعدة من بعض من يسمون بانفسهم بالمعارضة في  نفس تلك البلدان.  رغم   أن كل الشعوب  لها الحق فيالحريات والشفافية وممارسة العمل السياسي من أجل تغيير  وضعها العام،  غير  أنه يجب  أن نفرق بين أمرين، مطالبة الشعوب  بالحريات  و بين فتح  المجال  شاسعا امام التوسعات والمشاريع الإحتلالية بشكلها الحديث المتثمثل في الايديولوجيات والأفكار الاستغلالية  الهدامة للشعوب.  

 

هل انتم مع فكرة انسحاب الأحزاب العتيدة والزج بالافلان في المتحف وكيف حسب رايكم يمكن أن نرمم ما تبقى من ثقة بين المواطن والسياسي؟ 

 

أنور مالك: هناك خلط بين شعار جبهة التحرير الوطني كمكسب تاريخي ملك لجميع الجزائريين، والحزب كهيكل تنظيمي سياسي عليه ان يخضع للمنافسة مثله مثل باقي التشكيلات السياسية دون ان يعزز بامتيازات عن غيره من الاحزاب فللامانة انا لا اعتقد ان فكرة اقصاء اي طرف سياسي او فاعل في الساحة حتى وان كان جبهة التحرير قد يحل الأزمة بل قد تزيد الطين بلة، ففكرة الاقصاء في حد ذاتها عنف، ووليدة  رفض الآخر، لا يجب اللجوء الى ذلك لا ضد السياسيين ولا ضد المواطنين، فلا يمكن ان يمنع اي تكتل حزبي او سياسي منممارسة حقه في السياسة حتى وان كانت نواياه غير سليمة، فالساحة هي الوحيدة الكفيلة بتنقية وتصفية الوضع او ما يسمى في العلوم بالانتقاء الطبيعي natural selectif   فرحلة البحث الدائم على المناصب والامتيازات يجب ان تتوقف  كما يجب ان نبني جسر تواصل متين بين الشعب والسياسيين اذا اردنا حقا التغيير اذ لابد  لحزب مثل الافلان ان يجدد من نفسه في ظل الرهانات الحديثة وفي ظل  التعددية الحزبية والأبعاد الديمقراطية التي اضحت لسان حال الكثير من الفاعلين السياسيين كما ان حزب الافلان عليه ان يحافظ على مبادىء نوفمبر التي تعتبر روحه الأساسية والتي بفضلها التفت حوله الأجيال، كما ان النزاهة  وتنظيم وتنظيف الحزب في العمق اضحى اكثر  من ضرورة  اليوم ، رمزية الحزب لا يمكن ان تخذلها النفوس الانتهازية الي سيرت الحزب لعقود من الزمن، اليوم على الحزب ان يسترجع  مكانته  لانه قبل كل شيء يعتبر نفسه بوابة وبصمة لتاريخ ثورتنا العظيمة. ليس مستحيلا ان يجتاز حزب الافلان  هذه المرحلة  اذا احتوته شخصيات نزيهة  كفيلة بان ترمم ما تبقى من الثقة بين المواطن والسياسي ودون ذلك فالدكاكين الحزبية لن تقدم شيئا للبلاد والعباد. 

 

هل ستعود للجزائر ومتى وهل لديكم طموح سياسي؟

 

أنور مالك: انا احلم ان أعود لبلدي في أسرع وقت، أحلم بإحتضان أهلي ووالدي، واشم رائحة ارض بلدي وأتنفس الحرية التي تمنيتها دائما، اما بالنسبة الطموح السياسي، فلا أملك أي طموح سلطوي، هدفي الوحيد ان أدخل الجزائر وأخدم بلدي كمواطن عادي بما املك من  تجارب وعلاقات ولا افكر في خلق حزب سياسي ولا الترشح للمواعيد الانتخابية ولا اي شيء آخر. اريد العودة الى بلدي لما تكون الظروف مواتية كمواطن مهاجر يزور اهله واحبابه واقاربه ويخدم بلده وفق ما يستطيع خارج اطر الدور السياسي وفي الاخير اشكر جريدة الوسط وجمهورها على هذه الفرصة وتحياتي للجميع.