الحراك الشعبي في الجزائر ... الديمقراطية المباشرة؟
17 آذار 2019 748

الحراك الشعبي في الجزائر ... الديمقراطية المباشرة؟

أ.د. نورالدين حاروش

جامعة الجزائر3

      ترددت كثيرا في الكتابة عن الحراك الشعبي والسلمي والمثالي الذي شهدته الجزائر في الأسابيع القليلة الماضية، والذي أبهر العالم من خلال الأسلوب الحضاري المتبع في هذه المسيرات المطالبة بالتغيير الجذري لنظام الحكم القائم نتيجة الانسداد الذي وصل إليها واتساع الهوة بينه وبين الشعب مما خلق فجوة كبيرة لا يمكن لأي طرف أن يسمع الأخر أو يعبر عن أرائه أو يعمل لتلبية رغباته ومطالبه، لذلك تحرك الشعب عن بكرة أبيه كمحصلة للشعور المشترك لنفس الألم وفقدان الأمل.


     أما الآن فإن الكتابة والتفاعل مع هذا الحدث أصبح واجب وطني أو لنقول شعبي، وهذا ليس معناه ركوب الأمواج بل العكس تماما لأن إحساس الشعب هو إحساسنا وربما أكثر بحكم موقعنا ووظيفتنا التي تجعلنا على دراية بأمور تدمي القلب وتفقد الصواب...

      الحراك الشعبي هو حالة صحية تعبر عن مدى العمل الوظيفي الجيد لهذا الشعب، وبعبارة أخرى قيام الأعضاء الحيوية للشعب الجزائري بوظيفتها كما يجب، وعليه فإن الحراك حالة صحية لحالات مرضية في المجتمع؟ على غرار الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاباة والتعيين في الوظائف والمسؤوليات للرداءة وهذه الرداءة تحيط نفسها بمن أهم أرذل والنتيجة تشجيع وانتشار الرداءة على نطاق واسع، والمحصلة هذا الانسداد وهذا المرض الذي جعل الشعب يتحرك لأنه هو الوحيد السليم؟

     لقد أبدع الشعب الجزائري بجميع أطيافه من خلال الشعارات التي رفعها في هذه المسيرات مطالبا بالتغيير الجذري والعودة إلى مطالب الشعب الحقيقة وأخذ رأي الشعب في كل ما يخصه، وبعبارة أخرى أراد الشعب أن يقول بأنه أصبح ناضجا ولا يحتاج الأوصياء عليه، وهو قادر على تقرير مصيره بنفسه فلنترك له الفرصة، وحتى لو فشل فلا يلومن إلا نفسه، يداك أوكتا وفوك نفخ؟

      التغير هو سنة الحياة وهو السمة الصحيحة في كل مجتمع والثبات والسكينة هي الحالة المرضية وضد الطبيعة البشرية، الم يقل الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس لا شيئ ثابت إلا التغيير، وإنك لا تستحم بماء النهر مرتين؟

     أما شكل التغيير الذي هو مطلب شعبي حاليا يجب التمعن فيه كثيرا حتى نجني ثمار الحراك الشعبي، وبما أن مستوى الشعب وصل إلى ما وصل إليه فأظن انه لا خوف على مستقبل الجزائريين فقط أريد أن أذكركم ببعض المواقف والأحداث التي عرفتها الإنسانية وغيرت مجراها نحو الأحسن، وهنا تحضرني قصة الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الذي استقال من منصبه كوزير عندما اكتشف رشوة الحاكم وحينها التف حوله الشعب مطالبا إياه بالعدول عن رأيه لأنه الأمثل والأحق في منصب الوزير، لكن كونوشيوس بحكمته رد عليهم بما يلي: أن تكون ابنا جيدا وأخا جيدا وأبا جيدا فتلك يساوي المشاركة في الحكومة، ألا ترون كم هي الحاجة عديمة لممارسة الوظيفة الحكومية؟ هذا يعني أنه كما تكونوا يولى عليكم، وان الحكومة هي من أفراد الشعب وكما يكون هذا الشعب تكون الحكومة، فلا يمكن أن نتصور مجتمع من الملائكة وعلى رأسهم شيطان أو مجتمع من الشياطين وعلى رأسهم ملك؟  ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولا يمكن أن يكون الإنسان عادلا في مجتمع غير عادل كما يقول سقراط، كما أنه لا يمكن أن يكون كل الناس في الحكومة  لعدم أهلية البعض.

      لذلك فإن هذا الحراك أبان عن الوجه الحقيقي للشعب الجزائري والذي يستحق حكومة ومسؤولين في مستوى هذا الشعب، ويمكن القول الآن أن مستوى الشعب أعلى بكثير من مستوى مسؤوليه ولا يمكن أن يستمر الوضع بهذا الشكل وعليه وجب التغيير الجذري.

     شكل التغيير الآن يفرض علينا التفكير مليا في الآلية والأسلوب المناسبين لتجسيده، ولكن دعنا نعود لسجل التاريخ ونقوم بهذا المقارنة البسيطة. الشعب الجزائري خرج إلى الشارع مطالبا بالتغيير وبالوجوه التي يريدها، وهنا كذلك تحضرني قصة الديمقراطية المباشرة والتي كانت مطبقة في أثينا، ومعذرة للقراء على اهتمامي المفرط ربما بتاريخ الفكر السياسي وذلك بحكم وظيفتي؟

        كان المجتمع الأثيني مقسما إلى ثلاث طبقات : المواطنون الأحرار، وهم من أصل أثيني ينحدرون من أبوين أثينيين، وهي الفئة التي تحكم وتسير البلاد، ثم طبقة الأجانب ووظيفتهم تنشيط التجارة، وهم  أحرار لا يخضعون لأية سلطة قائمة، لكن بقاءهم مرهون بحسن تصرفهم، ليس لهم حقوق سياسية ولا يشاركون في الحكم، وفي الأخير طبقة العبيد ومهمتهم العمل لإرضاء الطبقتين ليس لهم حقوق سياسية  وهم بمثابة أدوات العمل  لا غير...

     يتكون النظام السياسي في أثينا من الجمعية العمومية وهي بمثابة البرلمان حاليا، ومجلس الخمسمائة 500 ،  وهو بمثابة الحكومة، وقد ساد في أثينا حكم القوانين لا حكم الأفراد...

 فالجمعية العمومية تتكون من المواطنين الأحرار الذين بلغوا سن 20 سنة، تجتمع  10 مرات في السنة مهمتها التصويت على القوانين ومراسيم تنفيذها وانتخاب القادة العسكريين والقضاة ومراقبة أعمالهم...

     أما مجلس الـ 500 فهو بمثابة الحكومة يتكون من 500 عضوا يأتون بالاختيار من طرف الشعب ويمثلون 10 قبائل كانت موجودة في أثينا وكل قبيلة ترسل 50 عضوا ممثلا لها ليتشكل هذا المجلس 10 قبائل في 50 عضوا يساوي 500 عضو.

    رئيس المجلس يحكم يوم واحد عن طريق القرعة من بين القبائل العشر، ووظائف هذا المجلس تتمثل في تحضير أعمال الجمعية ومراقبة أعمال القضاة، والإشراف على الموظفين ... والجمعية العمومية لها الحق الكامل في محاسبة المجلس، أما القضايا التي يطلب موافقة الجمعية فهي إعلان الحرب والسلم وتوقيع معاهدات السلام وفرض الضرائب والتشريعات العامة.

    نقوم الآن بمقاربة بسيطة لتجاوز هذه المرحلة لأن العودة إلى الديمقراطية المباشرة غير ممكنة، وعليه نقول أن الجمعية العمومية هي الشعب الجزائري الذي خرج إلى الشارع مطالبا بالتغيير وقد رأيناه في كل الولايات (48 ولاية).

        إذن لدينا 48 ولاية  فكل ولاية يختار شعبها 10 ممثلين لنحصل في الأخير على مجلس يضم 480 عضو ونسميه مجلس الأربعمائة وثمانين عضو يشكل حكومة يتم اختيار حاكم ليوم واحد من بين الـ 10 أعضاء لكل ولاية بالقرعة لتسيير الأمور وتنفيذ قرارات الشعب (الجمعية العمومية)، وكل ولاية بأعضائها العشر تحكم لمدة 7.6 يوم في السنة ويكون عضو من كل ولاية في مراقبة هذا الحاكم، أي 47 عضو يراقبون الحاكم في اليوم؟؟ وهكذا نعود للمفهوم الحقيقي للديمقراطية وهي حكم الشعب،

     أعرف بأن هذه الأمور غير قابلة للتجسيد وعليه يمكن اقتباس ما هو قابل للتجسيد فعلا لتجاوز المرحلة  الحساسة التي نحن فيها، وهي اختيار ممثلين من الولايات الــ 48 ليشكلوا مجلس انتقالي ولا بأس أن يكون مشكلا من 480 عضوا ينتخبون واحد كرئيس، ومجموعة وزراء لفترة محددة أقصاها سنة يتم خلالها تعديل الدستور وتعديل قانون الانتخابات ثم إعلان الانتخابات الرئاسية تليها البرلمانية وبعدها المحلية، وحينها نكون قد أسسنا لجمهورية ثانية، جمهورية المؤسسات الممثلة فعلا للشعب والمعبرة عن أماله والتي تعمل على تلبية حاجياته ومطالبه.   

اقرأ أيضا..