تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم
09 كانون2 2019 1509

  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليهم:

تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم

 د-وليد بوعديلة

 تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح  مع ذاتها  وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا الجانب الجهول من الذاكرة البعيدة الممتدة لما قبل ميلاد المسيح، فقد أردنا التنبيه لبعض نقاط الشبه  في التاريخ الكنعاني القديم وفي أساطيره وموروثة الشعبي،بين الإنسان الأمازيغي والإنسان الذي سكن منطقة بلاد الشام وتحديدا فلسطين.

بل وإن الشبه الفيزيولوجي والثقافي والفكري وعقلية التحرر والثورة ضد المعتدي مستمرة لليوم، و كذلك حب الهجرة بين الأمكنة و الثقافات والتمسك بالأرض وشجر الزيتون، ومن ثمة تأتي أهمية البحث في أصل الكنعانيين.

في اصل الامازيغ

اختلفت الآراء حول أصل الأمازيغ، واشتد الخلاف مؤخرا بعد ظهرت اكتشاف لوجود بشري قديم بمنطقة سطيف، ومجمل الآراء تختصر في مواقف أربعة هي: 
يرى رأي بان أصل الأمازيغ أوروبي ، استنادا إلى معطيات لغوية وبشرية توحي بأن الإنسان الأمازيغي من نسل الغاليين...

 ويرى رأي ثان بأن الأمازيغ هم أبناء هذه الأرض الإفريقية، و يستند البعض إلى كشوفات علم الآثار والفنون القديمة، مفادها أنه تم العثور على أول إنسان في التاريخ في بعض مناطق أفريقيا، وبالتالي فالإنسان الأمازيغي لم يهاجر إلى شمال أفريقيا ولكنه وجد فيها منذ البداية، ويذهب اتجاه آخر إلى ربط سكان هذه المنطقة بالمشرق وجزيرة العرب، حيث إنهم نزحوا من هناك إلى شمال أفريقيا نتيجة لحروب أو تقلبات مناخية وغيرها
و يميل المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون إلى اعتبار الأمازيغ كنعانيين من ولد كنعان بن حام بن نوح عليه السلام،

ولا نريد أن نفصل في المسألة ، فهي تحتاج لبحث أنثروبولوجي اجتماعي ثقافي، ولبحوت في الآثار والحفريات، لكن سنقدم

 بعض الحقائق والمعلومات عن تاريخ الكنعانيين، و نذكّر القارئ الكريم باعتماد مجموعة من الكتب المتخصصة،  ومنها

تاريخ فلسطين القديم لظفر الإسلام خان، ميخائيل نسطور(أصل تسمية كنعان، ترجمة فاضل جتكر،) ،زياد منى: تاريخ

فلسطين القديمة، حسن الباش: الميثولوجيا الكنعانية والاغتصاب التوراتي، يوسف الحوراني: مجاهل تاريخ الفنيقيين (من

خلال سانخونياتين البيروتي، وفيلون الجبيلي)،

-في التجذر التاريخي الكنعاني:

عندما نبحث في تاريخ الكنعانييين نتجه لمنطقة فلسطين، و هي أرض تمتد في التاريخ العميق للبشرية، وقد شهدت الكثير من الهجرات والحروب، واختلفت مجالات التفاعل والتواصل بين أبناء الأرض والشعوب القادمة المهاجرة. لقد (عرفت فلسطين عبر التاريخ القديم سلسلة من الهجرات العربية والسامية، وسلسلة طويلة من الحروب والغزوات، وسلسلة من الإمبراطوريات الغازية، التي مرّت بها، وأقامت فيها أو حكمتها، فقد هاجر إليها، وأقام بها عدد من القبائل السامية...، وجاء كذلك: الحثّيون والمصريون والبابليون والآشوريون والكلدانيون، وغزاها اليونانيون والفرس والرومان، وحكمها الأبناء الكنعانيون العرب الأصليون) ،

 ولعل تلك الأزمنة بكل امتداداتها الحضارية قد أثرت في ذهنية وقيم الإنسان الفلسطيني، كما أسهمت في تنويع مصادره الثقافية الشعبية، وتعددت المشاعر والأفكار باعتبار التقاء الأديان والحضارات في الأرض الواحدة، وهو ما يحمل مرجعيته الثقافية التاريخية مع الذاكرة الفلسطينية، (يكاد يكون لجميع الأنبياء والرسل الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم صلة بفلسطين، فنبيٌّ يمُّر بها، ونبيُّ يدعو فيها، ونبيٌّ يدفن فيها، وعيسى عليه السلام رفعه الله إليه منها، ومحمد (ص) أسرى به إليها، وعُرج به إلى السماء منها). فكيف لا تكون أرض الأنبياء وملتقى الأديان؟.

سكنت الشعوب السامية فلسطين منذ القدم، والهجرة الكنعانية هي أقدم الهجرات إلى المنطقة، مع العلم أنّ الكنعانيين هم (أحد فروع الأموريين الذين قد جاءوا إلى فلسطين في زمن لا يقل عن بداية الألف الثالثة، التي سبقت ميلاد المسيح، وقد انصهروا تمامًا، مع من سبقوهم من المهاجرين). واختار الكنعانيون ساحل بلاد الشام وجنوبها الغربي وفلسطين. ومن المنظور التاريخي، فإن الكنعانيين والأموريين من قبيلة كبرى واحدة.وتشمل بلاد كنعان، أي، ما يسمى حاليا (فلسطين وسوريا ولبنان والأردن).

وتأتي الدلائل التاريخية المؤكدة على هجرة الفلسطينيين من شبه الجزيرة العربية، فقد (كان الفلسطنيون؛ وهم قبائل ينتسبون إلى أصول سامية أقاموا على الساحل الفلسطيني بين غزة والخليل وشمال يافا، أمَّا الكنعانيون الذين نزلوا ساحل بلاد الشام أمام جبل لبنان في القرن الثاني عشر ق. م. باسم الفينيقيين، فقد سكنوا بين الكرمل ومصب نهر العاصي... وبنوا الحصون والقلاع والأسوار يلتجئون إليها، عندما يشعرون بقدوم الغزاة أو الفاتحين).

 تقدم هوية حضارية كنعانية، تفاعلت مع غيرها، كما أن أبناء شعوبها (طبعوا فلسطين بطابعهم الخاص، وأنشأوا المدن العامرة، التي لا يزال معظمها اليوم حتى بقيت تحافظ على اسمها أو حرِّفت تحريفًا بسيطًا، مثل أريحا وبئر السبع وأسدود، وبيت لحم ورفح وعكا وغيرها...). وقد سكن فلسطين عرب آخرون غير الكنعانيين، أقاموا بين (مصر، فلسطين، والحجاز)، وهم الذين سحبوا يوسف بن يعقوب من البئر الذي ألقاه فيه إخوته، وينسب إليهم النبي شعيب، أمّا (المعنيّون) فقد نزلوا فلسطين واستقروا جنوبها. كما أسّسوا (غزة) لتكون مركزًا تجاريًا لقوافلهم التجارية، والحقيقة أنّ إنشاء المدن ظاهرة عرف بها الكنعانيون العرب في فلسطين، وكانت مدنهم فضاء ثقافيًا، وتجاريًا لمختلف العناصر الحضارية المحلية والأجنبية، وهذه المدن احتفظت بأسمائها حتى اليوم.

في الخلفية الأسطورية الكنعانية:

يعد اسم كنعان اسما ساميا، وقد قيل أنَّ كلمة (كيناخو) تعني الصباغ الأرجواني الأحمر في النصوص الأكادية، وهذه الكلمة صفة مشتقة من كنعان، أي بلاد الأرجوان، أوْ أرض الغروب، أو الأرض الغربية، كما أن عبارة كنعان و(أمورو) جاءتا مترادفتين في رسائل تل العمارنة، ويجمع المؤرخون أن معنى كلمة كنعان هو الأرض الأرجوانية، ويؤكد زياد منى بأن هيرودوت المؤرخ الاغريقي، لم يشر في كتابه (التاريخ) عندما تكلم عن فلسطين أية إشارة إلى وجود عبرانيين أو كتاب التوراة، بل لم يشر إلى مملكة داود أو سليمان المزعومة، مهما كانت هذه الإشارة ولو عابرة، ولم يرد في كتابه أي ذكر لوجود (هيكل أورسليم)، لكن هيرودوت يطلق على المنطقة الممتدة من جنوبي دمشق إلى حدود صحراء سيناء، اسم فلسطين. ويرى بعض المؤرخين أن تاريخ المدن الكنعانية الفلسطينة يعود إلى سبعة آلاف عام، وقد انتشر أحفاد كنعان، وهم (12 فرعاً) في الشام وفلسطين، ويقال أن بعلا هو والد كنعان، كما ذكر اسم كنعان في رسائل تل العمارتة التي تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد(.

لقد كانت المنطقة أرضًا لمختلف الأساطير، كما أن أعياد قيامة إلاله المصري (أوزيرس)، التي كانت تنظم في جبل الكنعانية تحوي الكثير من الأساطير التي تمتد إلى حضارات أخرى، يقول شوقي عبد الحكيم (بقدر ما تناسبت أو تقاربت الأساطير والتراث الحضاري بعامة لبابل وآشور، أو حضارة ما بين النهرين، بالإضافة إلى حضارة العرب القحطانيين من جانب، وبين جيرانهم من الفرس... من جانب آخر، حدث نفس القدر بالنسبة للحضارتين المجاورتين: المصرية القديمة، والحضارة الكنعانية الفينيقية في مدن دول الشام وفلسطين).

هذه بعض دلائل الامتزاج، وليس ذلك فحسب، بل إن الآلهة الكنعانية الفينيقية قد ظهرت حسب بعض البحوث الأثرية، في حفريات قرطاجية من قبيل الآلهة، (بعل هامان) والإله (أشمون) و(أدويس) والإله المصري (بس) إله مصر وغرب آسيا. لقد تعرضت الذاكرة الحضارية الكنعانية إلى محاولات الطمس والتشويه، لكن- مع ذلك- بقيت حاضرة في الوجدان وفي الفكر، من خلال ديمومة استمرارية المعطيات التراثية المختلفة، خاصة في ظل الهجرات، أي تغريبة الأساطير الكنعانية (غرب المتوسط)، فقد (نقل الكنعانيون القدماء الكثير من معتقداتهم وطقوسهم وصناعاتهم إلى البلاد التي سافروا إليها، أو تاجروا مع أبنائها على الشواطئ الإغريقية والأوروبية، وبوجه خاص إلى بلاد الإغريق وأرض مصر القديمة) ، ومن ثم وقع التفاعل الثقافي وتحقق إشعاع الموروث الكنعاني، رغم محاولات التدمير التي استهدفت الآثار الفنية والفكرية، بنسبها إلى حضارات أخرى (الإغريق)، أو محاربة المنتميين إلى الثقافة الكنعانية كما فعل الاستشراق الأوروبي، لكن هذه الثقافة صعدت، وانفتحت على غيرها، وذلك ما تؤكدِّه الكشوف الحفرية، التي تؤكِّد على الحوار الكنعاني (الفينيقي) مع الشعوب الأخرى، نتيجة الهجرات السامية القديمة. إنّ الأساطير والحكايات الشعبية نتاج للمعتقدات الشعبية، والفكر الكنعاني ينبض بالكثير منها، انطلاقًا من أساطير أصل الكون،

 وهي أساطير تستحضر المشاهد الغريبة التي تجمع الهواء والريح، و(نجد فكرة البيضة كقاعدة أساسية للوجود في الفكر الكنعاني عن التكوين، ولعلّ تقليد بيضة الفصح ذاته لا يزال في الممارسة مع هذا العيد منذ فصح الكنعانيين الذي يعني ولادة الريح من جديد كل سنة) ، فتتحول البيضة إلى عنصر أصل الوجود، كما أنّ الصيدونيين يفترضون وجود الرغبة والضباب قبل كل شيء، ومنهما يلد الهواء (المستوى الأعلى للوعي) والريح (النموذج الحي للوعي)   ، وهنا ينطلق بحث أساطير الكنعانيين، في بدء التكوين، حيث تحضر الأسطورة عند الشعب الكنعاني مثل غيره من الشعوب، لأن (كل الشعوب عرفت الأسطورة والتقت عندها، فهي تراث الإنسان حيثما أو أينما كان، على بعد المكان وعلى اختلاف الزمان يلتقي الإنسان بالإنسان عند نسيج الأسطورة المتشابه الموحّد، ومنه يستمد الإنسان عطرًا، لا يمحّي، يذكره بقدرته على الخلق والمحاكاة والإبداع)

تحضر الحكايات والرموز الكنعانية الفينيقية المختلفة، لذلك تتوقف الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية عند مصر، كلّما بحثت الشأن الحضاري الكنعاني، لأنّها كانت مصدرًا أصيلاً لهما، فعنها أخذا التراث مع إضافات أخرى، ثم أفادتْ الحضارة الأوروبية والرومانية بخاصة فيما يتعلق بمعارف عن الآلهة وخوارق الجبابرة وكما قلنا، إنه من أبرز أساطير المنطقة، تلك المتعلقة بالخلق، والتي تتحدث عن ذرية كنعان التي جاءت من بلاد كنعانيا، وتحضر في الأسطورة علامات النور والريح. وفي الإجمال، فإنّ أسطورة الخلق هذه تنبه إلى مشاهد الخطايا التي يرتكبها إله السماء، (منها أنه هجر زوجته إلهة الأرض، وحاول قتل أبنائها مرارًا وبلا هوادة، لكن ابنه البكر (إيل)، ما إنْ بلغ مبلغ الرجال، حتى اتخذ الإله (توت) أو (نحوت) إله الكتابة الذي عرفه الساميون –فيما بعد- في الملاك جبرائل، كاتماً لأسراره، ثم أشعل حروبًا طاحنة منذ إهانته لأمّه الأرض، و(إبل) هو أعظم آلهة الشعوب السامية، ومعناه في اللّغات السامية القدرة أو القوة)...

وارتبطت الممارسات التجارية الزراعية بالآلهة، كما امتزجت الشعائر والطقوس بالمنطقة بالطبع، وخاصة بالبحر، ومن ثمة الصيد والتجارة وبناء المدن، و(صيدون) ابن كنعان، يدل أصل اسمه على عمليات الصيد، وقد كان للكنعانيين، سكان مدينة صيدا إله يسمى (صيدون). ويستمر حضور الطبيعة في الأساطير والملاحم الكنعانية، وهو شأن كثير من الأساطير عند مختلف الشعوب، حيث يتخذ عالم الطبيعة مساحات كبيرة من منظور الفكر الأسطوري.

وفي هذا السياق فقد جمع الموروث الكنعاني الفنيقي بين النخلة (اعتبرها الشاميون شجرة الحياة في جنة عدن) وبين آلهة الإخصاب الجنسي عشتروت أو عشتار التي،ألهمتْ الشاعر المناصرة، وهي: (إلاهة سلمية كنعانية، ذات نفوذ كبير في التاريخ القديم، بجانب بعض معبودات الصيدونيين، ذُكرت في ملحمة كرت الأوغاريتية في ملحمة بعل... وعشتار، حيث في ملاحم أوغاريت، توصف بالجمال وجمالية العدالة والتوازن بين البعل وخصومه) ، فالنخلة هي شجرة الميلاد (شجرة العائلة) عند شعوب غرب آسيا، لذلك نجد هذه الشعوب تربط بين عمليات إخصاب النخيل (التلقيح) وبين الموت، ثم القيامة (الولادة والاستمرار)، واتسع حضور النخلة في الميثولوجية الإغريقية، من خلال ولادة الآلهة (أبولو) و(نبتون) و(ذيلين) تحت نخلة...

ونتيجة تلك التفاعلات المختلفة التي شهدتها الواقعة بين الدجلة والنيل، وما أنتجته من أساطير، يجب أن ترتفع الأصوات العلمية لبحثها ودراستها منهجيًا، فـ (إذا كان قوام الثقافة السامية الحامية هو الأسطورة والنزوع الصوفي، فإن الأساطير ينبغي أن تنال اهتمامًا كبيرًا من المفكر العربي المعاصر، ولذا فّإن مما هو جدير بالأهمية، أن نعرف كيف نفسر الأسطورة وكيف نربطها بشرطها التاريخي، وكيف نراها على نسق تسلسلي مع حركة الثقافة التي أطلقتها) ، وهو ما يتحقق من خلال فتح أرشيف الذاكرة الثقافية ودراسته في الحفريات وفي النصوص وفي مختلف وسائل نقل المعرفة، فذلك يساعد على تفسير المنظومة القيمية والمواقف الاجتماعية، خاصة في القضايا المتعلقة بالخصب والجذب أو الحياة والموت... وارتباطاتها بالحيوان والنبات أو الإنسان والآلهة، كما هو الشأن عندما نبحث في حضور الطائر (فينيق) في المنطقة، وقد وظفه الشاعر عزالدين المناصرة، وهو طائر أسطوري، ريشه لامع، وألوانه براقة، عندما يشعر بدنو أجله، يبني عشًا من نباتات عطرية وأعشاب شعرية ويستقر وسطها بعد أنّ يحرقها، ومن رماده يولد فينيق آخر يسارع في أخذ بقايا والده،(

ونجد في التراث الاسطوري قيم الحياة والخصب التي تتجدد في كل ربيع عند الشعوب. إنّ الباحث في التاريخ الفلسطيني القديم وجوانبه الملحمية ومرجعياته الأسطورية، لا يستطيع أن يغفل تواريخ وملاحم وأساطير شعوب المنطقة العربية، فهي تشكّل حلقة واحدة، تكاد تكون متوحّدة لا مختلفة، لأن السير والملاحم والقصص والطقوس... التي توجد في فلسطين، يمكن أن توجد في مناطق أخرى، من مناطق التراث العربي السامي، رغم الاختلافات الجغرافية واللّهجية بين الشرق البابلي الآشوري (العراق) ، والعربي الكنعاني (الشام، فلسطين) والجنوب (الحجاز واليمن)، ومصر القديمة، و(كشفت الدراسات الأسطورية المقارنة عن أنّ هناك أساسًا أسطوريًا عقائديًا بل لاهوتيًا مشتركًا لأغلب هذه الشعوب السامية منذ أكثر من ألفي سنة قبل الميلاد، سواء فيما بين النهرين، أو في مكة واليمن والشام وفلسطين، وتلك الآفاق المعرفية تهتم بها الأنثروبولوجية الثقافية، كما ينفتح عليها البحث الأدبي الذي يتناول الأساطير في الأدب (بمختلف أنواعه)، بل إنّ تلك الآفاق هي حقل معرفي لمختلف الأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية.

ومن الأساطير المشتركة أسطورة الإله بعل ، فمع مجيء الساميين إلى فلسطين اكتشفوا وجود أماكن مقدسة كثيرة، فأطلقوا على كل منها: (الأشجار، الجبال، آبار الماء...) اسم بعل، وقد توّحد هذا الإله مع الإله السومري (مردوك) وهو نفسه الإله (هبل) عند قريش في مكة، وكان العرب قد أقاموه على بئر ماء، في إشارة إلى ارتباطه بالإخصاب، وقد حضر (بعل) في الملاحم الشعرية الكنعانية بصفته إله السماء، وقد أُغري بالنزول إلى العالم السفلي، واحتجزته الشياطين، لكنه قاومهم، واستطاع أن يعود ثانية إلى عالمه العلوي...

إذن حضر (بعل) وحضرت أساطير وممارسات فولكلورية كثيرة في فلسطين، تتعلق بالغيب والدهر والقدر والأحلام، وكذلك خرافات الجن والشياطين والعفاريت والرياح، وقد نسب الساميون الأوائل، الكثير من الأمور إلى الجن مثل انحدار الأبناء من أمهات أجنبيات، وهو عنصر يحضر عند بعض القبائل العربية (جرهم)، وقد ورث الكنعانيون عن السومريين أسطورة العفريتة الشيطانية (ميلي) وهي تسكن الخرائب والأماكن المهجورة، وهي (ليليث) عند البابليين، وتعني في الكنعانية (أناث) ومفردها أنثى، وقد تحوّل اللّفظ إلى (ليل) و(ليلى). ومن الأساطير الموجودة في المنطقة، أسطورة غواية الشيطان للمرأة، سواء أكانت زوجة الإله أو زوجة البطل، وهي تتجلّى في أغلب أساطير الخلق السامية، كما وقع في أسطورة الطوفان، عندما استعان الشيطان بزوجة نوح، كما أنّ الشيطان وسوس لامرأة النبيّ لوط... وتستمر العلاقة بين المرأة والشيطان كلما تعلّق الأمر بأساطير الخلق الأولى. عرف الكنعانيون (طاووتو) إله الحكمة، وقد وُجد في نصوص (إيبلا) الكنعانية، وهناك (أل) وهو يمثل كل قوة محسوسة خلف الكائنات (الأشجار، الأنهار، الجنوب...)، وجُعل (أيون) مختصًا بالزمن، والحقيقة أن أساطير الكنعانيين وآلهتهم عرفت الهجرة (حيث إنّ العزّى العربية في ذاتها عشتار الفينيقية، وهي تقترن بنجمة الصبح، وتدعى أيًا (الزهرة)، فإننا نجد شهادة مادية على التسمية في شكل إحدى برك رأس العين المثمّنة الشكل، وقد انشأ المهاجرون الصوريون مدينة في شمال إفريقيا سمّوها (عوزي) ،

وللكنعانيين الآلهة (برسفون)، وهي ذات الذراع البيضاء، عند الرومان، هي (بروصريين) ابنته زوس من (ديميترا) إلاهة العالم السفلي، توصف عند الكنعانيين بانها ماتت وهي عذراء، واعتبرها الإغريق من عالم الموتى، وبأنها تمضي ثلث السنة مع (بلوتو) في العالم السفلي والثلثين مع الآلهة، وهي تمثل دور بعل الأوغاريتي.. أمّا (حورا) فهي من أقدم الآلهة عند الكنعانيين، واسمها بالعربية يعني(البياض)، وهي ذات عيني بقرة، لها ذراعين بلون البياض، ذات حذاء ذهبي، وكان أبناء أرغوس يقيمون لها طقوسًا قُرب ينبوع (كناتوس)، حيث يقال أنها تغتسل كل سنة فيه، فتعود لها عذريتها، وفي ذلك إشارة إلى الزواج الإلهي، المقدس عند الكنعانيين. كما تحضر طقوس دفن الأطفال عند الكنعانيين، بالإضافة إلى التضحية وتعذيب الذات والتكفير عن الخطايا، وهي طقوس تتخذ أبعاداً أسطورية عقائدية،

كما اهتم الكنعانيون بالأنوثة وعبروا عن سلطة الأُنوثة بامراة فوق ظهر أسد، وتحمل زهرة بيدها تروضه بها، ، وقد قدّسوا (الحيّات) واعتبروها رمزًا للخلود والتجددّ السنوي، وهي تتخذ شكلاً دائريًا تبتلع برأسها ذنبها للدلالة على التجدّد الذاتي، وهي تحضر في ميثولوجيا الطب والشفاء في كثير من أساطير الخلود في الحضارات القديمة.

تلك بعض الأساطير الكنعانية، حاولنا تقديم خصائصها وتفاعلاتها مع أساطير الحضارات الأخرى، بخاصة عند الشعوب السامية، ولم تتوقف عند أساطير وملاحم وقصص أخرى، كما هو الشأن بالنسبة لتأثير الطوطم في الشعوب السامية، ويمكن للباحث أن يقف على الكثير منها في الموسوعات والكتب المتخصصة في أساطير وآداب الحضارات القديمة. لقد أردنا لهذا المدخل أن يكون وقفة عند بعض خصوصيات الأرض والذاكرة مع فلسطين، بخاصة لمكانتها الدينية وآثارها العربية وأهميتها عند الحضارات القديمة والحديثة.