نور الدين حاروش
نور الدين حاروش
24 كانون1 2018 2700

حوار الحضارات.. بل صراع الحضارات؟؟

حوار الحضارات.. عبارة لا تخلو من العاطفة والمجاملة أصبحت متداولة بكثرة في العقدين الماضيين نتيجة اشتداد الصراعات والنزاعات الداخلية والبينية والدولية والتي يعود أصلها كلها تقريبا إلى العنصر الديني او الهوياتي مع تقاذف التهم بين الأطراف والدول.. لكن إذا سلمنا بأنه حوار فلماذا هذا الكم الهائل من النزاعات والحروب الداخلية والخارجية؟


    لذلك أرى أن المصطلح والعبارة الصحيحة هي أولا صراع الحضارات، وذلك بالعودة السريعة لتصفح أوراق تاريخ الفكر السياسي، فنجد الإجابة الشافية والكافية، فهذه الحضارات الشرقية التي عرفتها الإنسانية منذ الفراعنة وحضارات ما بين النهرين والصينية والهندية والفارسية والفينيقية عرفت صراعا وحروبا بينها وكل حضارة كانت تقوم على أنقاض الحضارة الأخرى والفيصل في ذلك القوة والحرب والصراع وليس الحوار، فلو كان الحوار لكان نوع من التعايش ولما تشكلت كل هذه الحضارات، فعلى سبيل المثال حضارات ما بين النهرين (العراق حاليا) عرفت خمس حضارات: الأشورية والكلدانية والأكادية والسومرية والبابلية، وكانت كل حضارة تقوم على  أنقاض سابقتها وبالقوة والحرب، ولا يختلف الأمر فيما بعد في الحضارة الغربية، فبعد سقوط أثينا مهد الفلسفة والفكر السياسي والممارسة الديمقراطية حتى أخذت مقدونيا المشعل ويقوم الاسكندر المقدوني بغزو العالم الشرقي آو الحضارات الشرقية بعدما اخضع اليونان لسلطته، ويقوم وبالقوة بغزو الفراعنة وفنيقيا وفارس والهند ويستقر فى بابل ويموت هناك قبل أن يحقق حلمه ويصل إلى الصين... فأين هو الحوار؟ يقول إزوقراط isocrates  قبل أكثر من 2000 سنة عن أثينا:“ لقد تقدمت أثينا في شوطها وخلفت بقية العالم وراءها بمراحل في الفكر والتعبير حتى أصبح تلاميذها أساتذة الدنيا، وجعلت اسم اليونان مميزا لا لجنس من الأجناس بل لقدرة عقلية، كما جعلت لقب اليونان شارة للعلم لا دليلا على أصل جنسي مشترك“، وهذا القول يبرر أكثر الصراع و الاستعلاء الحضاري...

     بعد ظهور الديانة المسيحية، وأصبح الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية في بداية القرن الرابع ميلادي، ومع الانحلال السياسي و الأخلاقي التي عرفته الإمبراطورية آنذاك تعرضت لهجوم من طرف قبيلة  صغيرة جرمانية تسمى القوط وخربت روما، ومباشرة تعالت الأصوات بان سبب هذه النكسة يعود لاعتناق الإمبراطورية للديانة المسيحية، وهو نفس الموقف الذي نلاحظه اليوم من طرف بعض الجهات التي ترى بأن سبب النكبات والمصائب يعود للدين الإسلامي؟؟

     لكن في  حالة الإمبراطورية الرومانية هناك من قاد الدفاع عن المسيحية و يتعلق الأمر بالقديس اوغستين المولود عام  354م بطاغست  سوق أهراس الجزائرية وتوفى  430 م بمدينة هيبون عنابة  عندما رد  على أعداء الدين المسيحي بان روما الوثنية ليست بأقوى من روما المسيحية، واعتناق المسيحية هو الحل، ولم يوافق على اعتبار القانون والدستور وسيلة كفيلة لتحقيق العدالة، العدالة لا تتحقق مادامت الدولة غير مسيحية، ففي كتابه مدينة الله دافع عن فكرة ولاء المجموعات البشرية للهيئات المحلية او السلطة الحاكمة مع ولائها في نفس الوقت  للسلطة الروحية، هذا الولاء ينتهي بتغلب السلطة الروحية على الزمنية، والكنسية التي تمثل الديانة المسيحية الكاثوليكية هي التي تحرر البشرية من الذنوب، كما أن للإنسان محبتان: محبة الذات  ومحبة الله، انبثق منها مدينتان: مدينة الله السماوية، والمدينة الأرضية، الأولي خيرة كاملة والثانية شريرة ناقصة، بينهما حرب حتى نهاية العالم ويفصل بينهما المسيح، فمصير المدينة الشريرة النار بينما تنعم السماوية بالسعادة الأبدية؟؟

      عبر عن فكرة الأمم المسيحية على أنها ذروة تطور الإنسان الروحي، حيث أصبح هذا الفكر جزء من الفكر السياسي المسيحي عند الكاثوليك والبروتستانت، ومدينة الأرض ممثلة في الحوافز والسلطة زائلة تجسدها  الإمبراطوريات، والمدينة السماوية وتعني السلام السماوي والخلاص الروحي أبدية  تتمثل في الكنيسة، والدولة هي الدرع الذي يحمي الكنيسة، والدولة يجب أن تكون مسيحية تخدم مجتمعا تربطه العقيدة المسيحية، والدولة غير المسيحية عجزت عن تحقيق العدالة، الدولة لا يمكن أن تحقق العدالة إلا إذا كانت مسيحية، والعدالة هي إعطاء لكل ذي حق حقه والبداية بإعطاء حق الله، والدولة غير العادلة هي عصابة من الأشرار والدول السابقة عن المسيحية ليست دول بالمعنى الواسع وليست عادلة لأنها لم تعرف الله...ولا يمكن بعد ظهور المسيحية أن ترتقي أي دولة خارج المسيحية يضيف القدسي أوغستين... وهنا إشارة واضحة إلى أن الدولة والحضارة يجب أن تكون مسيحية وإلا لا يمكن تسميتها حتى بالدولة، وهذا إقصاء وصراع وإلغاء للأخر، علما أن القديس اوغستين كان من المؤيدين للوجود الروماني ـ الاحتلال الروماني ـ في الجزائر وكان يدعو الشعب الجزائري الأمازيغي إلى التعايش مع الإمبراطورية الرومانية، وفي نفس الوقت تقريبا ظهر رجل دين آخر وهو الأب دونا  النقريتي الذي خالفه الرأي ودعا الجزائريين للقيام بالثورة ضد الاحتلال الروماني وما كان على الرومان إلا ملاحقته واعتقاله وسجنه حتى وفاته وملاحقة أتباعه الذين نعتتهم الإمبراطورية الرومانية بالدونيين نسبة إلى دونا االنقريتي هو التعبير الذي يتداول حاليا في الجزائر  ـ الدوني ـ مع جهل العديد من الناس معنى الكلمة، والمقصود بالدوني هم أتباع الأب دونا وليس كما يعتقد الجزائريون أن الدوني هو الأقل قيمة وغيرها. وهذا كذلك يدل على صراع الحضارات والأديان وليس حوارا أبدا.

      بعد الإشعاع  الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية بفضل الدين الإسلامي والانجازات التي حقتها للعالم أجمع  من خلال الفتوحات والتوسع في الوقت الذي دخلت الحضارة الرومانية في سبات عميق عرف بالعصور الوسطى، لكن توقفت الحضارة الإسلامية بسقوط غرناطة في القرن الخامس عشر ميلادي،  وفي القرن الثالث عشر ظهر رجل دين مسيحي أخر هو توما الإكويني الذي يبدو أنه لم يعتمد على أفكار القديس أوغسطين سواء  بالتأييد أو الرفض ولا حتى على بعض مبادئ الديانة الإسلامية، بل ذهب إلى حد القول بوجوب محاربة المسلمين وهذا خوفا من القضاء على المسيحية بالنظر إلى الانتصارات التي حققها المسلمون في هذه الفترة، والتوسع الذي وصلته الديانة الإسلامية مقارنة بالمسيحية بالرغم من أنها دين جديد...

     هذه الجولة البسيطة والمختصرة في تاريخ الحضارات توضح لنا مما لا يدع مجالا للشك أن الآمر يتعلق بصراع الحضارات والأديان والذي انبثق منهما صراع هوياتي لا نزال نعاني منه إلى يومنا هذا وسيظل لان أصل الصراع هو الإنسان وهذا الإنسان يتكاثر ويورث الأجيال المقبلة بمورثات الصراع، فقد رأينا أن في الجزائر مثلا في ظل الاحتلال الروماني انقسام الشعب إلى جهتين غذتهما جهتين وهما الطرف الذي يدعو للتعايش وقبول الاحتلال والطرف الثاني الذي يرفض ذلك ويطالب بالثورة وهو نفس الشئ الذي عرفناه مع الاحتلال الفرنسي الذي جاء للجزائر لاستكمال ما قامت به شقيقته روما والأكثر من ذلك كان الفرنسيون ينعتون من طرف الجزائريين بالرومي نسبة إلى روما وهو فرنسي؟؟ وكان رد فعل الجزائريين منقسما كذلك كما في السابق وهذا الانقسام تطور إلى انقسام الهوية إلى يوم الناس هذا؟؟

      إن تجاوز هذه المعضلة يتمثل في تنشئة أفراد المجتمع على اكتساب مبادئ المواطنة التي تعرف في ابسط تعاريفها أنها تعني الانتماء إلى الوطن ـ الجغرافية ـ  ولا لشيئ أخر، لا لجنس أو عرق أو دين أو لون أو لغة... فهل نحن مواطنون؟  

الدكتور: نور الدين حاروش، جامعة الجزائر 3