الشيخ العلامة الفقيه المصلح عبد الحميد بن باديس، رحمه الله
الشيخ العلامة الفقيه المصلح عبد الحميد بن باديس، رحمه الله ص: أرشيف
18 نيسان 2017 1338

مقاربات عن مكانة العلم والعلماء

لما لم يُجعل يوم العلم مقرونا بذكرى عيد الثورة

بقلم: الشيخ الدكتور التواتي بن التواتي الأغواطي

 تمهيد: منذ الاستقلال المجيد جُعِل يوم 16 من أفريل يوما سمي بيوم عيد العلم، والاحتفاء بالعلم علامة خير ودلالة الاعتناء بالعلم في الظاهر، إلاّ أن هناك مآخذ عن اتخاذ هذا اليوم يوم العلم، وقد تساءل كثير من الباحثين قبلي عن هذا التاريخ لما جعل يوم العلم وهو التاريخ الذي توفي فيه رائد العلم الشيخ عبد الحميد بن باديس-رحمه الله- أفرحا بموته، أم حزنا عنه؟، ونحن نعلم في التحليل اللغوي والاصطلاحي أن لفظ "عيد" يدل على الفرح والمرح: -لما لم يجعل يوم العلم مقرونا بيوم الذكرى بعيد الثورة أول نوفمبر؟ فيكون الفرح بما أحدثته النهضة العلمية من حياة في الشعب الجزائري فاستجابت للنداء بعد أن قال ابن باديس: النصر يأتي من هناك وأشار إلى الجبال.


-ولما لم يجعل يوم 19مارس؟ فيكون الفرح بوقف القتال حين أجبر الاستعمار على التفاوض والاعتراف بأن هناك أمة تسمى الأمة الجزائرية وجعلت الرئيس الفرنسي يقر رغم أنفه: Il y a une nation Algérienne ، وقال قبلها-حين قام الشعب بمظاهرات ضد الاستعمار سقط فيها مئات الشهداء، نادى بأعلى صوته مخاطبا الجزائريين- je vous ai compris ، نعم قد فهم مراد أبناء ابن باديس، ولو جعلنا ذلك اليوم يوم علم لكان الفرح فرحتين فرح بالفوز، وفرح ببداية مشوار العلم طلبا وتحصيلا. -ولما لم يك يوم العلم مقرونا بيوم الاستقلال؟ فنفرح بتحقيق المراد الأول وهو التحرر من نير الاستعمار، ونفرح ببداية التحرر من الجهل والعناية بالعلم على غرار الأمم الأخرى؟ على كلّ الأمر لأصحاب القرار، لكن هل نحن حقا نحتفي بالعلم على وجهه الحق والأكمل فيكون الاحتفاء يتناسب وشرف العلم مما يدعو الطلاب يقبلون على تحصيله والعمل به إقتداء بسلفهم الصالح، أم مجرد وقفة تذكارية اعتادها الناس. هل أحدثنا جائزة كبرى تشجيعية تمنح لمن قدم خدمة للأمة، ويتنافس من أجلها العلماء على اختلاف تخصصهم بما أفادوا به المجتمع، وجعله يواكب العصر في شتى العلوم والفنون.

1- منزلة العلم قال الإمام مالك: «العلم نور يجعله الله حيث يشاء، ليس بكثرة الرواية»، إن العلم نور لصاحبه، ودليل لحظه، ووسيلة تنبري إلى درجات السعداء، وصاحب مؤنس في السفر. -إن العلم نور يقذف في القلب والمعصية تطفئه وكتب رجل إلى أخيه أنك أوتيت علما فلا تطفئن نوره بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم، ورحمه الشافعي حين قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدنِي إلَى ترك الْمعاصي وأخبَرنِي بأن العلم فضل الله ... وفضل الله لا يؤتاه العاصي -إن العلم الذي أتصوره وأدعو إليه ذلكم الذي وصف بأنه نور يلقي ببهائه على حامله فيجعل له نورا يمشي به بين الناس، بعد أن أذاع الله تعالى ذكره بين الأنام كحال ابن باديس-رحمه الله- وغيره من العلماء العاملين. -إن العلم الذي يجب أن يُحتفى به ليس هو شهادة يحصل عليها الطالب، فيحسب أنه حصل على رتبة عالم، وإنما هو تحصيل لأصوله في كل صنوفه؛ لأن العلم الذي أقصده لا يعني علوم الشريعة فحسب وإنما العلم على اختلاف فروعه: فقها وتفسيرا ولغة وفيزياء ورياضيات وعلوم طبيعية، واختراعات، وإبداعات وغير ذلك من الفنون والعلوم، وبلادنا ليست عقيمة فمن بين أبنائها من له قدرات علمية ما تؤهله للإبداع والاختراع. . ولذلك أدعو طلاب العلم أي: من يريد أن يبارك الله تعالى في وقته وجده وتحصيله فليعرف قيمة هذا العلم، فإذا عرفتم قيمة هذا العلم فتح الله لكم أبواب الرحمة؛ لأن تعظيم شعائر الله مظنة التوفيق والبركة، ولن تجدوا نور العلم، ولا بهاءه حتى تطلبوه من أهله، وتأخذوه من مكانه، ممن ورث العلم وأخذه بحقه، فهذا هو الذي بورك له في علمه، المقصود أن طالب العلم إذا عرف قدر العلم فتح الله عليه وبارك له في وقته وعمره، وكل ما يعانيه، وأكثر ما يعاني طلاب العلم اليوم بل الناس جميعاً، من الجهل بقدر العلم والعلماء.

2-مكانة العلماء إن العلماء في الإسلام ورثة الأنبياء وهم مصابيح الهدى وهم حراس العقيدة إذا زاغ واحد منهم واتبع هواه ضلت أمة من ورائه. ومن مقاصد الشرع رفع مكانة العلماء كما قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وعطف (الذين أوتوا العلم) – (على الَّذِينَ آمَنُوا) من عطف الخاص على العام تعظيما لهم بعدّهم كأنهم جنس آخر... إن علم العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن، ولذلك فإنه يقتدي بالعالم في كل أفعاله، ولا يقتدى بغير العالم؛ لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره، وفي الوجوه كثرة، لكنه كما تعظم منزلة أفعاله من الطاعات في درجة الثواب، فكذلك يعظم عقابه فيما يأتيه من الذنوب، لمكان علمه حتى لا يمتنع في كثير من صغائر غيره أن يكون كبيراً منه. نحن لا نتحدث عن أدعياء العلم الذين تلمح في سلوكهم ومعاملتهم رفعة وتكبرا، وصلفا هذا الصنف عالة على العلم وأهله، ولا يعدّ منهم في عرف العلماء، -وهنا نسأل ما قيمة علم لا يهذب أخلاقي، ولا يقوّم من حالي، ويجعلني وفق مرضاة ربّي-، نحن نتحدث عمن رُفعت درجاتهم تواضعا وخشية وتحقق فيهم قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فهؤلاء ينبغي احترامهم وإجلالهم، وإنزالهم المنزلة التي تليق بمقامهم.. ومعنى الآية الأنفة الذكر يرفع الله تعالى المؤمنين العلماء منهم درجات على غيرهم فلذلك أمر بالتفسح في المجلس من أجلهم، ففيه دليل على رفع العلماء في المجالس والتفسح لهم عن المجالس الرفيعة.. فكل محاولة لإنقاص درجتهم فإنها تجعل في مصادمة مقاصد الشرع، ثم إن الناظر إلى واقع الناس وأحوال المجتمع يجد أنهم يثقون بعلماء الشرع ويرجعون إليهم استجابة لأمر الله تعالى وقد وردت آيات كثيرا تدعو الرجوع إلى العلماء في معرفة الدين إن استعصى على المرء شيء فهم المرجع نذكر آيتين فحسب للبيان لا للحصر:-قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقوله تعالى: (شهد الله أنه لا أله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) هذه أجل الشهادات الصادرة من الملك العظيم، ومن الملائكة، وأهل العلم، على أجل مشهود عليه، وهو توحيد الله، وقيامه بالقسط، وذلك يتضمن الشهادة على جميع الشرع، وجميع أحكام الجزاء. ودلالة الآية على فضلهم ظاهرة بل أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قال: ما خص اللّه تعالى العلماء في شيء من القرآن ما خصهم في هذه الآية - فضل اللّه الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم بدرجات-وجعل بعضهم العطف عليه للتغاير بالذات بحمل الَّذِينَ آمَنُوا على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم . وفي رواية أخرى عنه يا أيها الذين آمنوا افهموا معنى هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن اللّه يرفع المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم. أما الأحاديث الدالة على فضل العلم وبيان فضل العلماء كثيرة جدا نذكر منها ما تأتى لنا وعلق بالذهن: - مما جاء في فضل العلم والعلماء ما ورد عن أبي أمامة الباهلي، قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال رسول اللهصلى الله عليه و سلم : «فضل العالم على العابد، كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير» رواه الترمذي، وأبو داود والدارمي عن أبي الدرداء مرفوعا. -وأخرج الدارمي عن عمر بن كثير عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم: «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام فبينه وبين النبيين درجة». -عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه وما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد » وقال عمر بن الخطاب: «لموت ألف عابد قائم الليل صائم النهار أهون من موت العاقل البصير بحلال الله وحرامه» وروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال: «إن الشياطين قالوا لإبليس: يا سيدنا ما لنا نراك تفرح بموت العالم ما لا تفرح بموت العابد؟ فقال: انطلقوا فانطلقوا إلى عابد قائم يصلي فقالوا له: إنا نريد أن نسألك، فانصرف، فقال له إبليس: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ فقال: لا، فقال: أترونه؟ كفر في ساعة، ثم جاء إلى عالم في حلقة يضاحك أصحابه ويحدثهم، فقال: إنا نريد أن نسألك، فقال: سل، فقال: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ قال: نعم قال: وكيف؟ قال: يقول لذلك إذا أراد: كن فيكون، قال إبليس: أترون ذلك؟ لا يعدو نفسه وهذا يفسد علي عالما كثيرا» وقال عبد الله بن وهب صاحب مالك: «وكان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم فولع بي الشيطان في ذكر عيسى ابن مريم كيف خلقه الله عز وجل؟ ونحو هذا، فشكوت ذلك إلى شيخ، فقال لي: ابن وهب: قلت: نعم قال: اطلب العلم فكان سبب طلبي للعلم » ذكره ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله. عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:«يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء»فأعظم بمرتبة بين النبوة والشهادة بشهادة الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم ، وعن ابن عباس «خيّر سليمان uبين العلم والملك والمال فاختار العلم فأعطاه اللّه تعالى الملك والمال تبعا له». وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير، وعن بعض الحكماء : ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم؟ والدال على فضل العلم والعلماء أكثر من أن يحصى، وأرجى حديث في فضل العلماء ما رواه الإمام أبو حنيفة في مسنده عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه و سلم: «يجمع اللّه العلماء يوم القيامة فيقول: إني لم أجعل حكمتي في قلوبكم إلا وأنا أريد بكم الخير اذهبوا إلى الجنة فقد غفرت لكم على ما كان منكم». إن الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي ذكرتها تبيّن فضل العلماء وخطورة القدح فيهم؛ لأن لحومهم مسمومة فمن تكلم فيهم فقد هلك بتعريضه نفسه لغضب الله تعالى ففي الحديث القدسي «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب .... »الحديث. رواه البخاري: فإن لم يكن العلماء أولياء الله تعالى فمن يكون أولياءه؟. نقد العلماء والتحامل عليهم ومما ابتلي به كثير من المسلمين في زماننا هو الوقوع في أعراض العلماء والدعوة إلى نبذهم ونعتهم بألقاب السوء وتبديعهم وتضليلهم. قال أحد الباحثين المخلصين من هزته الغيرة عن العلماء: وكان قد سأل أحدهم لما تتعرضون للعلماء بالنقد اللاذع أجيب بأن: هذا بيان للأخطاء والبدع حتى لا تنتشر وتحذير للناس من هذا المبتدع... فقد يكون بعضهم قد غرر به فيتكلم في العلماء عن حسن قصد فيعتقد أنه يحارب المبتدعة بفعله هذا؛ لأن من يجالسهم يوحون له بهذا الكلام المعسول فهؤلاء يبين لهم الحق حتى يرجعوا إليه ويعرفوا للعلماء منزلتهم ومكانتهم. والبعض الآخر يتكلم في العلماء لوجود هوى في نفسه قد يكون ناشئا من الحسد لهؤلاء العلماء.انتهى قوله.

ورحم الله شاعر شمال إفريقيا الشيخ محمد العيد آل خليفة: وجاهل لعالم نافس _ وأخ لأخ باخـس هذه جذوة هل لها قابس ورحمه الشافعي حين قال: كم عالم متفضل قد سبّه _ من لا يساوي غرزة في نعله أو هو الكره لأهل العلم فهؤلاء يُنْصحون فليتوبوا إلى الله تعالى فليعلموا يقينا أن الله تعالى يدافع عن أوليائه قال تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا). إن مكانة العلماء وحفظ أقدارهم لا تنتظر من الجهال والطامعين، فهؤلاء لا ترى منهم إلاّ الهمز واللمز والتنقص، والقدح، ومما يدلك على جهل كثير من الناس بقدر العلم والعلماء، أتعلمون أن العلماء في انتقاص والجهال في ازدياد، أتدرون لما يتناقص العلماء ويزداد الجهال ذلك أن كل زمان يذهب من الأمة عالم لن تجد من يسد ثغرته إلا من رحم الله: عن هشام، عن الحسن قال: كانوا يقولون: «موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار»رواه الدارمي في سننه إسناده صحيح. ولو كانت الأمة تعرف قيمة هذا العلم ما مات عالم إلا وخلف وراءه أمة ممن هم مثله ممن يأخذ عنهم العلم، وأذكر أن عالما مات كمدا من أجل زلة ارتكبها مجبرا أو مختارا...!في كلا الحالتين له عذر فإن الكمال لله وحده، وكان أحد العلماء المعاصرين قرأ له كتابا في غاية الجودة (وهو الشيخ محمد أبو زهرة-رحمه الله تعالى-)، قال لما علم بقصته: وكيف تفلح أمة تعامل علماءها تلك المعاملة، وربنا القوي الرزاق يسامح ويغفر الذنوب وهي أعظم مما ارتكب هذا العالم، هل نظروا إلى ما أفادهم به وترك لهم وها هو قد مضى وأثره بقي ينبئ أنه حي بأثره الذي خلّفه. وإني أدعو إلى تبجيل أهل العلم وطلبة العلم، وحملة الكتاب والسنة الذين سلكوا سبيل السلف في الفهم والاعتقاد والسلوك والعبادة دون ذوي الأهواء السياسية، والبدع المضللة، وقد قيل: لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا صاحب الفضل، وقد بيّن لنا ربنا السبيل فقال: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) [الزمر : 9] .أخبر الله تعالى عباده أنه لا يستوي أهل العلم الذين قاموا وقام بهم العلم المطلوب تعلمه والموافقة في الدين كتابا وسنة منزلة مع الذين لم يقم بهم ذلك ،إما تقصيرا ،أو إعراضا، أو استخفافا، وهذا التفريق أبلغ في تقرير فضل العلم وأزين في رفع درجات أهله، فإن الشيء لا يعرف إلا بضده ، وبضدها تتميز الأشياء إن تقدير مكانة العلماء والإعلاء من شأنهم وتكريمهم أحياءً وأمواتاً إنما ينبع من تعظيم الشريعة التي احتفت بهم، والدين الذي كرمهم وحفل بهم، ومن أعلى قدر الشريعة أعلى قدر حملتها، يجب أن يحظى العلم لدى الحكام بمكانة متينة لا علاقة عابرة أثناء حفل عابر ثم يسدل الستار، يجب على الحاكم أن يتفقد العلماء والأخذ بنصائحهم، ولولا خوف الإطالة لذكرت وقائع للاعتبار، ولكني أذكر واقعة واحدة أو اثنين فحسب. -لما دخل هارون الرشيد على الإمام مالك وجلس بجانبه نزل الإمام مالك وجلس مع الناس، فقال له هارون الرشيد لما نزلت؟ قال له مالك: إن جئت حاكما فلا أنازعك في حكمك، وإن جئت طالبا للعلم فانزل حيث طلبة العلم واجلس حيث جلس الناس، فنزل هارون الرشيد حيث يجلس الناس، وصعد الإمام مالك. -وحين أراد الرشيد موعظة وقد أحس بضيق في صدره لا تزيله إلاّ الموعظة الحسنة، فذُهِب به إلى أحد العلماء (لا أذكر اسمه احتراما له) فلم تك موعظته شافية، فقال الرشيد لوزيره: إن صاحبك هذا لم يحدث شيئا في نفسي عليّ بآخر فكان الثاني أمره كالأول، فقال الرشيد: عليّ بآخر، فقال الوزير: لآخذنّه إلى الفضيل بن عياض، فدقّ عليه الوزير الباب: فقال الفضيل: من الطارق؟ قال: أمير المؤمنين: فقال الفضيل: وما شأني وأمير المؤمنين، فقيل: له سبحان الله أليس له حقّ عليك؟ نعم للحكام حقّ الطاعة والامتثال بنص الكتاب، ففتح الفضيل الباب وأطفأ السراج فراح هارون الرشيد يتلمس حتى وقعت يده على كتف الفضيل ، وكان ثوبه ممزقا، فقال: أواه ما ألينها من يد إن نجد من عذاب الله، وراح يعظه والرشيد يبكي، فقال له الوزير: أرفق بأمير المؤمنين، رد عليه الفضيل والله أبكاه وأرداه إلاّ أمثالك، زيت له المحارم فاقترفها، وزيت له مظالم فارتكبها، وزينت له الضلالات فخاضها..والقصة طويلة اكتفي بما ذكرت. فحين يكون حال أمتنا (حكاما وعلماء) على هذا النهج والقلوب متفتحة لهذه الشريعة السمحاء نكون قد صددنا الباب في وجه كل طامع متقوّل، وجنبنا بلادنا ما يحدث وما يراد بنا من كيد، وإن الأمة التي يقوم فيها ولاة الأمر فيها بتوقير العلماء وتبجيل العلم والدعوة إلى تحصيله، لدليل قاطع أن البلاد على النهج الصحيح. وأختم مقالي بهذه الأسئلة منها: سؤال طرحه أحدهم قبلي-وكان بمرارة فيما قرأت له لما آلت إليه مكانة العلماء من تهميش وتنقيص وتحامل عليهم: -أين مكانة العلماء فينا، كانوا إذا تكلموا أنصت الناس إلى كلامهم، وإذا أمروا ائتمر الناس بأمرهم، وإذا نهوا انتهى الناس عما نهوا عنه.انتهى كلامه. -أين مكانة العلماء من القبول والتكريم، يقول الله جل وعلا: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، أيها العلماء العاملون كونوا مخلصين لما حباكم الله به من علم، عاملين به، لا تريدون به جزاء ولا شكورا، واعلموا أن الذي أعطاكم العلم لا يستطيع أحد أن يذلكم، أو يحط من شأنكم وقد رفعكم الله تعالى. -أين مكانة العلماء عندنا؟ هل كوّنا لجنة مخلصة أمينة في مسلكها ترصد الذين قدموا علما نافعا وخدموا الأمة في نشره بين الناشئة، ويكون اختيارها بدون محاباة ولا رياء.. -أين مكانة العلماء من هذا الاحتفاء؟ هل العلماء مبجلون مكرمون مشجعون لمزيد من العطاء والإبداع والبحث والتأليف في كل صنوف العلم: فالمشاهد أن مكانة العلماء أصبحت لا شيء؛ حتى إنك لتسمع الآن العالم يريد أن يفتي في مسألة هامة تخص الأمة وتعود بالنفع العام وما يوحّد كلمتها ويجمع شتاتها فيكون حاله بين حالين: -إما لا يعبأ بما قال؛ لأن الناس في واد وهو في واد آخر، الناس يريدون السياسة وما يستفاد منها لا يريدون إصلاح المجتمع وما لصق به من خيبات وفاسد، يريدون الشهرة وحب الظهور، والكسب المادي والمناصب والحظوة. -وإن التفت لما قال فمن معقب وناقد...! قد يكون في التعقيب إثراء فذاك لا ضير فيه، وقد يكون مخالفة من أجل المخالفة لحاجة في نفس يعقوب...وهذه هي المصيبة الكبرى. وهناك آفة أخرى قد أصبح يتكلم في العلم الشرعي من ليس أهله، ولم يكسب أدواته حتى ذهبت كرامة العلماء، وأصبح العالم كغيره، هل كرمنا العلماء الذين قضوا وقد قدموا للوطن خدمات وأي خدمات...! ها هو ذا الشهيد الشيخ العلامة أحمد شطة الذي كان يحفظ صحيح البخاري عن ظهر قلب ورفع على الرؤوس في تونس لما تخرج ومات شهيدا في سبيل وطنه، هل كرّم؟ ، بل ربما لا يعلم القائمون بالأمر من هو الشيخ العلامة أحمد شطة؟!، وجده المعروف باسم التهامي مؤسس جريدة في تركيا تدعو إلى نبذ الاستعمار في السنوات ما بين 1914-1918 ها هو ذا الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح عالم اللسانيات يكرم من دولة أجنبية ولم يكرم في بلده، بل كان يلاقي المصاعب والمتاعب حسب ما ذكر لي-رحمه الله تعالى-، تربطني به علاقة صداقة منذ أربيعين سنة خلت. وأخيرا: لما هذا التجاهل والتغاضي عن علماء قدموا الكثير لهذا الوطن، أيليق بأمة جعلت للعلم عيدا أن تنسى أو تتناسى علماءها، وإن ذكرت تذكر بعضا دون البعض...!

اقرأ أيضا..