طباعة
قيامة الشمال القسنطيني
19 آب 2018 86

الحلقة الثالثة

قيامة الشمال القسنطيني

يسين بوغازي

لما أختبر الكولون وعسكرهم غضب زيغود يوسف

الفكرة، التحضيرات، الإجرام الفرنسي

والغضب الثوري الجزائري الهادر

بعد الانتهاء من " مؤتمر كدية داود " أو ما يسمى في كتابات أخرى " اجتماع جبل الزمان "  بدأت المرحة المهمة من الهجومات التاريخية ، فقد باشر القادة الميدانيين وقادة النواحي ومسؤولي المداشر والقرى من المدنيين والمناضلين النوفمبريين عموما ،فترة التوعية والتعبئة " حملة التعبوية " والتي شملت الشمال القسنطيني كله ،وقد قسمت إلى ثلاثة مراحل (1)

هذه الحملة التي استهدفت السكان والمواطنين والمدنين لتوضح هذه الهجومات وأهدافها ، وضرورتها ، ومخاطرها ،كانت هجومات مقررة في ثلاثة  أيام من 20 أوث/أغسطس إلى 23 أوث/ أغسطس (2) ، فيما مصادر قالت مقررة على يوميين 21 أوث و22 أوث (3)

ومباشرة لما انتهت التحضيرات ، والجلسات  على ما دارت عليها من أجواء ثورية ، ثقافة حرب العصابات ، ولما استقرت  القناعات كلها الشعبية ، والعسكرية " جيش التحرير " والسياسية " جبهة التحرير الوطني " والمدنيين والأعيان فى مؤتمر " كدية داود " على تنفيذ الهجومات ..

صار ملحا  جدا ، الإعداد السياسي  والاستراتيجي على مقاسات الوعي الانتمائي الوطني الثوري  وقواعد بيان أول نوفمبر ، والأبعاد المغاربية تلك المتداخلة بمأساة  العالم العربي حينها و الظروف العالمية .

فلم يكن العقيد زيغود وسف مجرد ثائرا  وكفى ، ثائر ركب الغضب النوفمبري في جباله الحزينة ، لأجل  غد أطفاله ، جميع أطفال الوطن . لم يكن مجرد ثائرا ، بل كان مفكرا  في ثوبه الثوري المتمرد ، مكنه أن يجمع الكثير من القناعات النوفمبرية  والانشغالات الطارئة ، ما يجرى على الساحة المغاربية ضمن الاعلاءات المرفوعة  في " بيان الأهداف الإستراتيجية في المجالين الداخلي والخارجي ، الصادر عهن قيادة الشمال القسنطيني " في   تحركها النوفميري الثوري الأهم " هجومات 20 اوث 1955 التاريخية "

فقد القناعات الأساسية  في " جبهة التحري الوطني الجزائرية " و " جيش التحرير الوطني " وعند المدنيين من القبائل والاعراش والعائلات الغاضبة  ، برسم الانتماء للأمة العربية الإسلامية و الأماني المغاربية .

الانتماء العربي الإسلامي ،  الذي حاول المعمرون وعساكرهم إزاحته عن  وجه القيام النوفمبري مند البداية ، حين وصفوا ثواره  أنهم مجرد " خارجون على القانون" (4)، قانونهم الفرنسي الكولونيالي المقيت .

" الحملة التعبوية " وتطلعات

الخطة العامة المغاربية والعربية

مند الأيام الأولى لشهر اوث في حدود 5/8/1955 إلى غاية ا19/8/1955 منه كانت الفترة التي حددتها الخطة العامة من قيادة الشمال القسنطيني في مؤتمر كدية داود للتنفيذ الميداني

وقد قسمت إلى ثلاثة خطوات (1) قام بتنفيذها مسؤولي النواحي والجنود والمدنيين الدين حضروا المؤتمر كانت الخطوة الأولى تتمثل في التعبئة وشرح الخطط الهجومية وتفسير مدى الأخطار التي ممن الممكن أن تنجم

الخطة الثانية جمع الأسلحة والإعداد اللوجستيكي العام  ، إذ باشرت قيادة الشمال القسنطيني في جمع كل ما يمكنه أن يساعد على تنفيذ الخطة  ، فحتى الآلات الحديدية والألبسة القديمة والأدوية ، حتى الحبال والأسلاك ، كل شيء لخطة  الإعداد ، لان التطورات لم تكنفي الحسبان كيف ستكون .

فيما جاءت الخطة الثالثة جاءت أمنية خالصة من حيث الحصول على المعلومات والمراكز للجيش الفرنسي والكولون المسلحين وأعوانهم من الخونة والعملاء وكل ما شانه أن يضع الشمال القسنطيني  من جعته الكولون قيد الاستهداف .

لم تكن  هجومات الحرية و الانتفاضة الشعبي وجيش التحرير الوطني مجرد فعل معزولا بعيدا على الاسترتيجات الكبرى التي تحيط عادة مثل هده الانتفاضات في العالم بأسره .

بل كانت قيادة الشمال القسنطيني التي أضحت لاحقا الولاية الثانية في كامل الوعي الثوري أولا على مقاسات الحرب المسلحة كطري وحيدا و وحيد فقط لتحقيق الطرد الفرنساوي للغزاة . وأيضا كافة الضمانات الأخرى التي عمرت طويلا

المدن الثائرة على الأهبة والشهادة

مند استشهاد " ديدوش مراد " بدت مدن الشمال القسنطيني، وكأنها  استكانت للهدوء ، وكان شعلة القيام النوفمبري قد انطفأت ؟ لكن العقيد الثائر ، النوفمبري الصامت المتدين زيغود يوسف ، كان على الاهبة والانتظار ، فلم تمضى ستة شهورا على رحيل  " ديدوش " إلا وثأره مرفوعا بادي الغاضبين بالشمال القسنطيني ، انتقاما كبيرا، وبيانا ساطعا ، وحراك ثوري للإعلاء الشعلة النوفمبرية بالرصاص والغضب مكتمل الرجولة والثورة ،وان رسائله  لكثيرة في مداها الوطني الداخلي ومداها المغاربي الخارجي ، والآخر العربي العالمي الأكبر .

لقد كانت مدن الشمال القسنطيني ، والتي غدت فيما بعد " الولاية الثانية "  بمسبيلها ، ومجاهديها ، ومدنيها ، وثوارها ، وفدائييها جميعا ، ضمن الحضور القيادي  في " جيش التحرير " ومن المدنيين ، وخلايا " جبهة التحرير الوطني " فى تلك الجلسات التي بدأت في " بوساطور " إلى  أن انتهت في "مؤتمر كدية داود في جبل الزمان " .

وان الفترة  التي امتدت للإعداد التعبوي ، والتحضير السياسي للهجومات التاريخية ، مند 5/8/1955 إلى غاية 19/81955 ، كانت في الحقيقة هذه المدن والقرى ، والدواويير والمشاتي كلها ، تنام وتستيقظ على الوعي الثوري ، وعيون العقيد زيغود يوسف الخضراء البهية .

وان الخروج المنتظر جهارا نهارا ،  في منتصف يوم السبت الحارق حره ؟ كان أمنية ، لا تغدو أن تكون مجرد أيام وتتحقق .

لذلك فقد استثمر قادة النواحي ، ومسؤولي المشاتي ،والمسبلين ، والفدائيين من  المجاهدين والثوار النوفمبريين تلك الشحنة الوطنية الموجودة أصلا في الشمال القسنطيني ، وتلك الحرارة  المتيقظة التي تركها مؤتمر كدية داود في النفوس ، ليعدوا مرة أخرى على شد الأيادي ، وإعادة التصميم الاستقلالي ، وإحياء فضائل الفداء ، فكانت مدن الشمال كله ، تحت أوامر الاهبة الزيغودية ، ووصايا القيام النوفمبري .

قرى ودواويير ، ومشاتي غاضبة

في الخروج الباهر (5 ).

في مسقط العقيد زيغود " كندي السمندو " والتي تسمى حاليا  زيغود يوسف ، بدأت الاستعدادات فيها باكرا ، فالشهادات (6)  تؤكد انه ابتداء من 16/8/1955 بدأت اللقاءات بين مسؤولي المشاتي في ضواحي السمندو، في " مشتة الخرفان " و " مشتة الفوارة " و " مشتة بن حميدان" و "  دوار الكرمات " وفي السمندو القلب ، تعبيئة لليوم المشهود .وفى مدينة " فيليب فيل " سكيكدة حاليا ، باكرا أيضا بدأت الاهبة و الاستعداد ، علما أن " مؤتمر كدية داود " في إقليمها الجغرافي  ، وقد انطلقت مند 15/8/1955 في نواحي " هضبة العالية " وعند سفوح " المحجر الروماني الكريار " وغرب المدينة الجبلي القصي " سيدي احمد " فكانت الاستعداد تحت الأوامر ، في انتظار تجلى الغضب النهاري الثوري النوفمبري .

مدينة  " الحروش "  من قرية " أولاد احبابة " انطلقت الاستعدادات ، و في ذات التواريخ المتقاربة ابتداء من 15/8/1955 انطلقت ، وقد شملت نواحي البعيدة من مدينة "  وادي زاني " ، ومدينة " قالمة " وأهم القرى والدوايير هنالك " قرية الركنية " وفي جبال " قرية الفجوج " وعند " هيلوبوليس " من الجهة الشرقية ، فيما شملت الخلايا في الحروش استعداداها إلى حدود " سان شارل " رمضان جمال حاليا ، و" مجاز الدشيش " والقرى الأخرى القريبة .

بالجهة الغربية المحايدة للسمندو كانت " قرية سيدي مزغيش  " على الأهبة ، فهي تضم " كدية بوساطور "و " مشتة الخربة "  أين بدأت الاستعدادات باكرا هنالك ، وأين سقط أولى شهداء الهجومات ، وهذه الناحية الغربية  أولى النواحي التي كان مناضليها على دارية بهذه الهجومات ، ففيها أولى النقاشات التي قالت الفكرة .

وفى " الميليلة " شملت الاستعدادات المخلصين في ذات الآجال " الحملة التعبوية " مند 15/8/1955 ، وفى " مدينة قسنطينة " والتي اشرف على الاستعدادات  فيها العقيد زيغود يوسف بنفسه ، وقد أتخذ من " جبل الوحش " مركزا قياديا له ، مند 12/8/1955 ،عرفت المدينة عمليات نوعية جريئة ، كتصفية للخونة والعملاء ، وضباط الشرطة العسكرية الفرنسية ، ورمى القنابل على النوادي الكولونيالية المعروفة (7). تلك النوادي وأولئك الخونة ، وضباط الكولون من الشرطة الفرنسية ، المعروفين في المدينة  ببغضهم الشديد لثوار ، وقيامهم النوفمبري ، وذات الأسلوب نفذ في الخروب إضافة لهجومات نوعية أخرى .

أما "مدينة القل " فقد عرف  بها للعشرين اوث نجاحات رائعة ،  بل وساحقة ، إذ أن الثوار النوفمبريين  في المسيف القلي تمكنوا من محاصرة العسكر الكولونيالي في الثكنات ، ولساعات  طويلة طلت المدينة في يد الغاضبين النوفمبرين ، وقد لبى نداء الفداء مناضلين " بني زيد " ومسبلين " القل المدينة " وثوارا أخريين من " دوار سيدي عاشور " وفى " جامبي " عزابة  حاليا ، الاستعدادات بدأت أيضا باكرا ، كما جميع المدن و القرى و الدوايير في الشمال القسنطيني ، وقد شملت المناطق الشرقية الواسعة من الحروش مرورا بالجغرافيا المحيطة بمدينة قالمة و " وادي زناتي " و " قرية جندل ".

كل الشمال القسنطيني كان أيام " الحملة التعبوية "  العشرين يوما الأولى من شهر أوث / أغسطس 1955 لا ينام ، إلا على الفكرة الانتفاضية الثورية المنتظرة ، هجومات الحرية والكرامة والغضب .

يتبع ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع الحلقة الثالثة :

(1) كتاب 20 اوث 55 رابح عواد و موسي تواتي .

(2)  شهادة على كافي

(3)  كتاب " تمرد ، قمع ، مجازر " للصحفي الفرنسي كليير ماسو كوبو

(4) تصريح الحاكم العام روجي لونوار  1954

(5 ) وثيقة  صادرة عن مديرية المجاهدين سكيكدة ، و من كتاب "20 اوث 55 " رابح عواد وموسي تواتي ، ومن وثيقة تحليلية .

(6)  كتاب " المنطقة 25 " للمجاهد احمد بوجريو

(7) كتاب " المنطقة 25 " للمجاهد احمد بوجريو