د.رضوان شافو (جامعة الوادي)
30 تموز 2018 330

بِأَيِّ ذَنْبٍ نُهَانْ...لَوْ كُنْتُمْ تُبْصِرُون؟

د.رضوان شافو (جامعة الوادي)

في عزِّ فصل الصيف تزداد الحرارة المحرقة على سكان الجنوب خصوصا، وتفرض حضر التجوال على ساكنيها، ولا يخرج احد من بيته إلا ودعته الحاجة للعمل او لقضاء حاجة اجتماعية، فاذا لاح الليل وغابت الشمس تنخفض درجة الحرارة، ويفرض هذا الجوُّ تجوالا سياحيا للأهالي في أعالي الجبال الرملية على مداخل كل مدينة في الجنوب الجزائري، هاربين من نعيم المكيفات الهوائية واعراضها الجسدية، اين يسهرون ويتسامرون تحت ضوء القمر، تارة حول مشاكل المجتمع ومنغصاتها، وتارة أخرى تسترق مسامعهم أثير أمواج الإذاعة وما تقدمه من أخبار أو منوعات غنائية كانت أو مسرحية، وبين الحين والآخر يرشفون كؤوس الشاي المطهى على الجمر والحطب، إلى أن يسرق النعاس عيونهم ، فلا العقارب ، والأفاعي تلدغهم، ولا الكلاب تنبحهم وتنهشهم، وكان كلما حان وقت آذانٍ للصلاة المفروضة هموا للصلاة جماعة بكل عفوية طاعة لله ولرسوله، لأن الصلاة في وقتها خير من الدنيا وما فيها، هكذا هي الأصول ،والعادات ،والتقاليد في المجتمع الصحراوي بمختلف مناطقه.

نحن في الجنوب نعاني لو تفقهون

أنا ابن الجزائر وابن الجنوب وابن الصحراء لن أكون فظا غليظ القلب على من تحامل على سكان ورقلة في وقفتهم السلمية والحضارية الأخيرة ضد التهميش والحقرة بمنعهم لسهرة فنية لمجموعة من الفنانين الجزائريين، ولكن سأكون بصيرا بما لا تبصروه من معاناة هذه الفئة من باقي مناطق الوطن.

أيها الإعلاميون الذين وصفتمونا بالكلاب والعقارب والأفاعي ، ويأيها المثقفون الأصوليون الذين وصفتمونا بالجهل ،والتخلف ،والرجعية والتطرف، فبأيِّ ذنب نُهان لو كنتم تبصرون؟ ما كان يجدر بكم أن تقعوا في هذه الأصولية والعنصرية المقيتة، وأنتم من صفوة المجتمع؟ وما كان عليكم أن تشعلوا فتنة بين الجزائريين ونحن بأمس الحاجة إلى الأمن والاستقرار في هذا الظرف بالذات؟ بل كان عليكم النظر بعين بصيرة الى عمق معاناة المجتمع الورقلي الذي يعاني الحقرة والتهميش رغم الامكانيات المالية التي تمتلكها ولاية ورقلة مقارنة مع ولايات الشمال

جربوا العيش في ورقلة ليوم واحد

كان عليكم النزول إلى الشارع الورقلي وتعايشوه عن قرب ليوم واحد فقط لتسمعوا منه آهات المعاناة الاجتماعية، ولتحسوا بالحرارة المحرقة التي فاقت 55° تحت الظل و76° تحت الشمس دون ان تعلن الجهات الرسمية ذلك وتعتبرها منطقة منكوبة، كان عليكم أن تقوموا بقراءة سوسيولجية موضوعية للشعارات التي حملها المحتجون المطالبة بتخفيض تسعيرة الكهرباء وبالشغل وبأبسط الخدمات الاساسية، وتحسين البنية التحتية، وعدم اهدار المال في السهرات، الذي في ذات الوقت هم بحاجة اليه في تنمية ولاياتهم، كان عليكم ان تسألوا لماذا سكان ورقلة محرمون من ابسط حقوقهم في التنمية العادلة اسوة بمناطق الشمال، على الرغم مما تمتلكه ورقلة من مقومات اقتصادية تعتبر من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني؟ وكان عليكم البحث عن كيفية النهوض بالتنمية في ورقلة، وانصاف شبابها ومثاقفيها الذين قتلتهم البطالة المُقننة، والبيروقراطية المتعالية وعنجهية الشركات المناولة، ووكالات التشغيل المُرتشيّة.

أيها المتحاملون باسم الفن والثقافة مالكم لا تسألون؟لماذا لا تكون ورقلة عاصمة للثقافة الإسلامية؟، وهي التي كانت حاضرة من الحواضر الصحراوية الإسلامية الكبرى، حيث عرفت حركة علمية وثقافية نشيطة،خاصة في الفترة التي تواجد فيها السادة الإباضيون في ظل وجود الدولة الرستمية بالمنطقة مابين القرنين الخامس والثامن الهجريين(11-14م)،حيث استطاعت هذه المنطقة أن تحقق

القدرة على تأكيد وجوده على مستوى الحواضر الإسلامية آنذاك، إذ كانت منبع الإسهام الحضاري والتواصل الاجتماعي بين مختلف القبائل العربية.

ومالكم لا تسألون؟ لماذا لا تكون ورقلة عاصمة للثقافة العربية؟ وهي التي اكتنزت قصورها العتيقة وزواياها الدينية بالنفائس والمخطوطات،وأنجبت العديد من العلماء والفقهاء يشهد لهم بالعلم والتقى، وكانت منبع الإنتاج الثقافي بين مختلف الرحالة الذين زاروا هذه المنطقة.

الإيديولوجية المتعصبة

ما كان عليكم أن تعميكم الإيديولوجية المتعصبة ضد الإسلام بأن تقارنوا صور المصلين وهم يؤدون صلاة العشاء جماعة وعفويا في مسرح الهواء الطلق بصور علي بلحاج وهو يصول في شوارع العاصمة صارخاً (عليها نحيا وعليها نموت)،فهو كان يمثل حزبا إسلاميا سياسيا، أما هؤلاء المحتجون فلا طائفة دينية تجمعهم ولا توجه سياسي يحتويهم، فهم من عمق المجتمع الورقلي جمعتهم مصلحة التنمية في ولاياتهم، أما صلاة الجماعة فيهي تجمعهم اينما كانوا في المساجد أو المقاهي أو المسارح، أو الشواطئ، وذلك بحكم طبيعة المجتمع الصحراوي، فالأرض طاهرة وأينما حان وقت صلاة صلى الناس، وهذا ما أردت قولة في مقدمة كلامي.

لو كنتم تبصرون أيها المتحاملون بأن هذه الوقفة الاحتجاجية هي ليست ضد الفن أو ضد المهرجانات الثقافية ،فأعراسنا وتراثنا الشعبي غني بالفن والفنانين، لا يكاد يمر عرس من الأعراس الورقلية ولا يخلوا من فرقة موسيقية تشنف اذان السامعين والراقصين بأغاني تراثية محلية، هي وقفة حق أردتم بها وقفة باطل باسم الفن والثقافة وباسم ايدولوجيتكم المتعصبة.

رواتبكم بفضل الله ثم بفضل الصحراء

لو كنتم تبصرون أيها المتحاملون بأنكم تأخذون رواتبكم بفضل الله أولا وبفضل ثروات الصحراء التي تعد حوالي98% من المداخيل المالية للجزائر ثانيا،وبفضل تاريخها المُشرِّف خلال ثورة التحرير حينما أرادت فرنسا أن تفصل الصحراء عن شمال، فخرج سكان ورقلة آنذاك يوم 27 فبراير 1962 وقطعوا الطريق أمام مؤامرة الانفصال مؤكدين بأن الجزائر أرض واحدة موحدة.

لو كنتم تبصرون أيها المتحاملون أن استجابة الجهات الوصية لمطالب المحتجين في منع السهرات الفنية في ذلك اليوم، ليس ضعفاً منها حينما قلتم واتهمتم بأن السلطة غائبة، وإنما أولا هو حق من حقوقهم في التظاهر والاحتجاج يكفله الدستور، وثانيا إدراكا لحجم المخاطر التي قد تنجم عن الانفلات الأمني، وعدم السيطرة على الوضع ويستغل أعداء الجزائر والمتربصين بها لركب الموجة وزعزعة استقرارها الذي لطالما حلموا به منذ ثورات الربيع العربي، ولا أشك أن تكون أبواق هذه الفتنة إحدى أدواتها، ولكن هيهات هيهات( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)،فالوعي الاجتماعي والحس الوطني الذي أصبح يتمتع به المجتمع الورقلي منذ بداية الاحتجاجات في الجنوب الجزائري حول التنمية سنة 2011، قد فوت الفرصة على الانتهازيين السياسيين، والاعداء المتربصين من عدم اختراقهم من خلال التنظيم والتسيير المحكم، وحنكة سياسة واجتماعية في توجيه المظاهرات والاحتجاجات، واكدوا في كل خرجاتهم بان هناك خطوط حمراء لايمكن مسها او تجاوزها.

ما هكذا أيُّها المتحاملون من الإعلاميين والمثقفين الأصوليين تصنعون المجد على أكتاف الشرفاء والأحرار من سكان ورقلة فاليوم الذي كنتم تختبؤون فيه وراء جدرانكم خوفا من التكفير ،والتهجير والتقتيل، كنا نحن نعيش مع العقارب والأفاعي والكلاب في أمن وآمان.

اقرأ أيضا..