مديرة يومية الفجر- حدة حزام
مديرة يومية الفجر- حدة حزام ص: أرشيف
30 تشرين2 2017 300

ماذا يحدث للصحافة الوطنية ؟

حدة.. تمنينا لو كنت على حق

بقلم: أبو عبد المنان

في سابقة من نوعها، قامت مديرة يومية "الفجر" السيدة حدة حزام بإضراب عن "الأكل" لأنها ربما أصيبت بالتخمة، السيدة المحترمة وذلك منذ يوم الإثنين 2017/11/13، لكن الأوساط الإعلامية قالت أن هذا الإضراب مرده التعبير منها على الإدانة المطلقة لعملية تشديد الخناق المالي على صحيفتها من طرف السلطة القاهرة في البلاد وبالتالي تكميم تلك الوسيلة الإعلامية، في حين اعتبرت بعض المصادر الأخرى أنه الأسلوب الوحيد المتبقي لهذه السيدة (الحاملة لقبعة أروبية فوق رأسها) من أجل التعبير عن امتعاضها الشديد من سلوك السلطة تجاه مؤسستها التجارية الإخبارية "الفجر"، المتمثل في سحب الدعم المالي الناتج عن الإشهار المؤسساتي العمومي لبقاء جريدتها على قيد الحياة، وهذا منذ مدة على خلفية توجهاتها السياسية حسب اعتقادها. كما أشارت صحف أخرى إلى أنه "يجب محاربة احتكار الإشهار العمومي". وما يثير الدهشة هو أن هذه السيدة ظهرت على صفحات الجرائد الوطنية بلباس عصري، وكانت أنيقة جميلة مبتهجة بشوشة مبتسمة ضاحكة مستبشرة، وكأن شيئا لم يكن، حتى كادت عينيا لا تصدقان ما حدث، لأنني كنت منطويا على نفسي بسببها، إذ اعتقدت انها كئيبة حزينة لما آلت إليه صحيفتها التي لاقت تضامنا واسعا من أعضاء الصحافة الوطنية، حتى أنها نشأت لجنة مساندة السيدة حدة حزام وباشرت نشاطها بتجمع على مستوى مقر دار الصحافة - طاهر جاووت بساحة أول ماي (الجزائر) يوم الإثنين 2017/11/19. فمن له ذهن وقاد يستطيع استيعاب هذه الملحمة... رواية الإضراب عن الأكل ولا أقول الطعام؟؟؟

فحسب بعض الإحصائيات الرسمية للوزير الحالي للإتصال جمال كعوان فإنه حوالي 60 عنوان صحفي (منها 26 يومية و34 أسبوعية) قد اختفت عن الإصدار والأنظار منذ سنة 2014، موعزا ذلك إلى الأزمة المالية الضاربة عرض الحائط كل من ليس له خزائن قارون.

من جهته، أرجع المدير العام لشركة النشر والإشهار (ANEP)، في وقت سابق، عملية الإحتكار إلى النموذج الإقتصادي الذي يحكم الصحافة والإشهار، وعليه لابد من مراجعة أو إعادة النظر على الأقل في هذا النموذج.

لكن ما هو واضح للعيان فإن معظم البلدان النامية سواء الجزائر أو غيرها ليس لها ثقافة حرية الأفكار... والحقيقة أنه حتى في البلدان المتطورة فإن المال هو الذي فرض تنوع الأفكار وحرية التعبير، وبالتالي فإن مفهوم حرية التعبير غير مكرس في بلادنا بالشكل المنشود والطريقة المرجوة من عامة الناس بخصوص المثقفين منهم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يعقل أن أعطيك المال لكي تسبني أو تهينني أو تشتمني أو تعارضني في كل خطوة أباشرها للأمام  اتجاه المجتمع؟ طبعا أكيد لا!

إذن البديهية في الرياضيات غير قابلة للنقاش أو البرهان، وفي الإعلام والإتصال يجب أن تكون بديهيتك هي ضرورة امتلاك خزائن الأموال الطائلة أو لديك تنوع مصادرك المالية وذلك حتى تفرض أفكارك  وتنوعها وتحقق حريتك في الإعلام وحقك في الإتصال والتواصل. فبالله عليكم: الذي لا يستطيع شراء مثلا هاتف ذكي ولا يستطيع الإشتراك على الأقل ب 500 دج شهريا في الآنترنات عند المتعامل الوطني للهاتف المحمول، كيف له ان يشارك الناس عبر شبكات التواصل الاجتماعي مثلا؟ وهكذا دواليك بالنسبة لوسائل الإتصال الأخرى سواء الجماهيرية منها أو الشخصية.

فالصحيفة التي لا يقرؤها ألف جزائري، بأي حق تملأ مقدمات الأكشاك بنسخها المتبقية يوميا، ولا أقصد هنا صحيفة "الفجر"، لأنها تعتبر مقروءة، بل أقصد كثير من الصحف التي لا تغطي نفقاتها بالشكل المطلوب خاصة الأجور، هذه الأخيرة عليها بالذهاب إلى المتحف خير لها وأبقى.

وهل يعقل أن ملاك الصحف يأخذون بالميزان أطنان الاموال المتأتية من عائدات الإشهار التي تمن بها السلطة عليهم إن شاءت (وهو مال البايلك، أي المال ا لعام) والصحفي يأخذ دراهم معدودات وقد لا يأخذ شيئا؟ فأي حيلة هاته؟

الذي يثير الريبة في بلادنا الحبيبة ليس في اعتقادي قانون الإشهار والصحافة في حد ذاته، والذي تحتكره السلطة ومن يسير في فلكها عن طريق الشخصية المعنوية: شركة النشر والإشهار "ANEP"، بل المشكل العالق هو في كيفية ممارسة هذا القانون مثله مثل بقية  القوانين الأخرى في جميع مناحي الحياة، بما في ذلك دستور البلاد، ذلكم أن ما قد يعار على السلطة في حقيقة الأمر عندما تكيل بمكيالين بين صحيفتين لهما نفس حجم المقروئية ومن نفس الفئة الإجتماعية، وهذا حسب ميولاتها السياسية أو الجهوية أو عن طريق المحاباة (مثل: هذا لينا،  تاعنا عاونوه... وهذا لالا  خطينا يدبر راسو...)، فإطارات Anepلا يقدرون على حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم،   ذلك للتدخلات  والمعارف   وبالتالي فهم من فضة إن لم يكونوا من ذهب نسبة إلى حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- " الناس معادن"، ما كان لأحد أن يشتكي من هذه العملية التجارية الإشهارية المحتكرة من طرف السلطة.

لقد قيل أن دستور التعددية 1989 للراحل الشادلي بن جديد قد حل في وقت مضى هذه المعضلة من خلال المرسوم التنفيذي رقم 88/201 المؤرخ في 1988/10/18، لكن لمدة ثلاث سنوات فقط لأن المرسوم التنفيذي لبلعيد عبد السلام المؤرخ في 1993/08/09 أعاد احتكار السلطة للعملية الإشهارية وذلك بغرض خنق الصحافة الناشز (المتنافرة) مع السلطة وإضعاف المؤسسات الإعلامية الحديثة النشأة وهو التنظيم الساري المفعول إلى يومنا هذا.

لكن السوءال الذي يطرح نفسه كذلك: كيف استطاعت كل هذه العناوين الصحفية أن تنشأ مثل الفطريات وتملأ مداخل الأكشاك بأعداد هائلة ولا يقرؤها أحد تقريبا؟ من الذي أعطى يد المساعدة لطباعتها وتوزيعها إذا لم تكن المؤسسات الصحفية نفسها قادرة على ذلك؟ هل كانت نية مؤسسي وملاك الصحف الثقافة والإعلام أم نيتهم كانت مبيتة تجارية مالية محضة وربما بطرق ملتوية لمال البايلك؟

من الذي تسامح مع هؤلاء الملاك بعدم دفع فواتر الطباعة بالمطابع العمومية حتى تراكمت ديونها ووصلت حد المئات من الملايير؟؟

هل التفكير الناضج والمصلحة العامة والخدمة العمومية كل معناه يقتضي إنشاء صحيفة أو يومية إخبارية أو قناة تلفزيونية بإقتراض مال البايلك (البنك)، ثم التطلع إلى الإستمرارية بأموال البايلك (الإشهار المؤسساتي العمومي)؟

يا ناس مشكلتنا الذهنيات المعقدة، والأنانية، والذاتية، والمصلحة الشخصية الضيقة ...

اقرأ أيضا..