في الكتابة و "الهوية النصية"

قلولي بن ساعد

لا أشاطر الرأي وباحترام شديد أولئك الذين يعتقدون أن الكتابة الإبداعية بنوعيها الإبداعي والأكاديمي وأسئلة التكوين والتحصيل المعرفي تجعلهم بمنأى وغربة عن المجتمع و" الغاشي " أشبه بالتعالي واحتقار المجتمعات الصغيرة التي جاءوا منها ومنها تشكل وعيهم ومخيالهم الإبداعي.

بل العكس هو الصحيح فيما أرى فالكتابة الصادقة الذاهبة ذهابها الحميم إلى صلب النفس البشرية وأغوارها السحيقة تقربنا من ذواتنا الفردية والجماعية ومن أعماقنا التاريخية والسوسيولوجية والأثنية والهوياتية بكل أبعادها الرمزية والأسطورية والتاريخية والنفسية. وتجعلنا في بحث دائم عن أسئلة هذا التواشج الموضوعي كمعطى إبداعي قابل للخلخلة والمساءلة والانتباه لدبيب المجمتع وصوت التاريخ وأصداء الماضي بنوع من الإستدعاء " ليعيش معنا مشاغل عصرنا " مثلما يقول محمد عابد الجابري حتى ولو كنا بين الحين والآخر نحاول نقد بعض علامات الاستبداد الرمزي المنبثقة من رواسب آثار مجتمعاتنا الأبوية التقليدية الناكرة على الفرد حقه المشروع في التحرر من لاءاتها ومرجعياتها المهيمنة.

هذا لا يعني أبدا احتقار مجتمعاتنا والتنكر لخصوصياتنا الثقافية في عملية هي أشبه بالاغتراب النفسي الذي لا مبرر له ومن الصعب بل من المستحيل على الفرد التنصل تنصلا نهائيا من ذاكرته وطفولته وإلا فلا معنى أصلا لما يكتبه أو يعتقد أنه " إبداع " دون " هوية نصية " ساهمت في إنتاجه وتنشئته جملة من الأنساق الاجتماعية والثقافية قبل أن تتسرب إلى وعيه الباطن وإلى لا وعي اللغة بكل تراكماتها التاريخية والنفسية و"امتصاصه" لاختراقاتها الشكلية والفنية وقدرتها المطواعة على السفر بين دروب التاريخ وأحوال الذات والمجتمع كروافد أساسية لنص يروم البقاء واستشراف أفق الجودة الإبداعية في بعدها النسبي دون انفعال أو إعلان أو لأية ضرورة مهما بلغ حجمها أو حجم القائلين بها.

اقرأ أيضا..