تشريعيات الرابع ماي.. النجاحات والاخفاقات
ص: أرشيف
13 أيار 2017 1967

قراءة:

تشريعيات الرابع ماي.. النجاحات والاخفاقات

الأستاذ خضري حمزة

 أعلن المجلس الدستوري على النتائج المؤقتة لانتخابات الرابع ماي لسنة 2017 وأعلن بعدها على نتائج الطعون المقدمة من طرف الأحزاب السياسية المشاركة في العملية الانتخابية، وهو الإعلان الذي يعتبر آخر إجراء لخامس انتخابات تشريعية في عهد التعددية الحزبية في الجزائر بعد انتخابات 1997 . 2002 . 2007 2012.

لقد جرت الانتخابات التشريعية الأخيرة في ظروف خاصة ميزها حالة عدم الاستقرار التي تعرفها دول الجوار جراء أحداث الخراب العربي التي ضربت نهاية عام 2011 منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،و هي الأحداث التي كلفت الجزائر مئات المليارات لحماية حدودها الشرقية والغربية ولتأمين الجبهة الداخلية من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار الذي يعتبر من أهم مكاسب الشعب الجزائري بعد أكثر من عقد من المأساة الوطنية التي أوشكت أن تتحول إلى حرب أهلية لولا حكمة العقلاء من أبناء الشعب الجزائري على اختلاف مواقعهم ومسؤولياتهم .

حياد الإدارة و نهاية ظاهرة التزوير المنظم

لقد تميزت الانتخابات التشريعية 2017 بتراجع ظاهر التزوير بشكل ظاهر على الرغم من وجود بعض التجاوزات المعزولة  التي لم تصل إلى مستوى التزوير المنظم والمهيكل من طرف  الإدارة، فإذا كان تاريخ الانتخابات التشريعية منذ سنة 1997 قد عرف عمليات تزوير على نطاق واسع تورطت فيها الإدارة المشرفة على تنظيم الانتخابات كما اعترف بذلك الكثير من قيادات حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي في السنوات القليلة الماضية، فقد عرفت انتخابات ماي 2017 قدرا كبير من حياد الإدارة المشرفة على العملية الانتخابية، و ما حدث من تجاوزات في بعض الولايات لا يعدو أن يكون أحداث معزولة حدثت في سياقات مختلفة باختلاف مكان ارتكابها، حيث جاء البعض منها نتيجة ظاهرة العروشية والقبلية، في حين جاء البعض الأخر نتيجة استعمال المال في شراء ذمم بعض من أشرفوا على تسيير مراكز الانتخابات، وهي التجاوزات التي وصل 38 إخطار حولها إلى النيابة العامة من منسقي الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات في الولايات من أجل فتح تحقيقات قضائية ومتابعة الجناة في حالة ثبوت الطابع الجزائي للوقائع .    

تفاقم تأثير المال على مصداقية العمل السياسي:

عرفت انتخابات الرابع من شهر ماي 2017 تفاقم تأثير المال على مصداقية العمل السياسي وذلك على مستويات متعددة، أول هذه المستويات السيطرة على القوائم الانتخابية حيث نال أصحاب المال حصة الأسد في تصدر القوائم الانتخابية في معظم الأحزاب السياسية في الموالاة والمعارضة بطرق وأساليب متعددة، ومن لم يسعفه الحظ في الحصول على مكان له في الأحزاب الكبيرة ترشح عن طريق القوائم المستقلة التي حصدت أغلبية المقاعد في بعض الولايات على غرار ما حدث في ولاية برج بوعريريج.

ثاني مستويات تفاقم تدخل المال في العملية الانتخابية ظهر في التجنيد والتعبئة من أجل الحصول على أصوات الناخبين، فقد رصد أصحاب المال أموالا ضخمة لشراء الذمم من عامة المواطنين  وخاصتهم، فشاهدنا عكاظيات جديدة في مدح المرشحين مقابل عطايا قدمت تحت الطاولة، كما تم استئجار أقلام كتبت لصالح المترشحون وسوقت لأسمائهم إلى درجة أن البعض منح لقب الأستاذ والدكتور والشيخ لمرشحين لا يتعدى مستواهم العلمي السادسة ابتدائي، وفي السياق نفسه تم استئجار البعض من نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي  بغية استقطاب أكبر عدد من الناخبين أو لضرب المنافسين من الأحزاب والتشكيلات الأخرى، وذهب استخدام المال أبعد من ذلك عندما مول بعض المرشحين بلطجية لاستخدام العنف من أجل التزوير يوم الاقتراع.

إن هذا المد المالي على العمل السياسي سيؤثر لا محالة على مصداقية العملية الانتخابية وعلى مخرجاتها، فلا يمكن أن ننتظر فوز نواب على درجة من الكفاءة في ظل الغلق المنظم لحق الترشح لتتمكن منه فئة واحدة هي فئة أصحاب المال والأعمال الذي يفكر معظمهم بمنطق الربح والخسارة فقط، ومن ثم  سيتحول البرلمان القادم إلى ما يشبه منظمة لأرباب العمل تحتكر المجلس التشريعي للدفاع على  المصالح الضريبية والاقتصادية والمالية للأوليغارشيا على حساب تطلعات وأحلام المواطن العادي الذي ينتظر مستوى من المعيشة أفضل .

انتخابات مشروعة لكنها بدون شرعية

على الرغم من أن الانتخابات التشريعية الأخيرة اكتست المشروعية القانونية كون أن النتائج التي أعلن عنها وزير الداخلية والجماعات المحلية الجمعة 05 ماي 2017 تعبر إلى حد كبير على أصوات الناخبين الذين قرروا المشاركة في الانتخابات، إلا أنها جاءت دون شرعية سياسية من جانبين، يتعلق الجانب الأول بعدد من صوتوا بورقة ملغاة والذين فاق عددهم المليونين صوت  وهي رسالة واضحة منهم على حالة عدم الرضا على أداء السلطة على كل الأصعدة              والمستويات، أما الجانب الثاني فيتمثل في نسبة المشاركة التي تعتبر الأضعف في تاريخ التعددية الحزبية حيث أنها لم تصل إلى 36% وبذلك فإن المجلس المنتخب هو مجلس فاقد للشرعية السياسية ذلك أن 64% من الهيئة الناخبة رفضت التصويت عليه وأكثر من مليونين ممن صوتوا اعترضوا عليه جملة و تفصيلا بالتصويت بورقة ملغاة .

فشل الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات

إن الثغرات الكثيرة التي اكتنفها القانون المتعلق بالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات وحداثة إنشائها ليست أسباب كافية لتبرير الأداء الهزيل لهذه الهيئة الدستورية الجديدة، إنما يتحمل رئيسها الأستاذ عبد الوهاب دربال مسؤولية كبيرة في هذا الفشل، فقد ظهر هزيلا جدا في أدائه وتواصله مع وسائل الإعلام، غير متحكم في الأدوات القانونية التي تحكم الانتخابات في الجزائر، كما ظهر ضعيفا في استعمال الصلاحيات التي يمنحها له القانون، حيث أنه و بالمقارنة مع الشخصيات التي أشرفت على الرقابة على الانتخابات في مراحل سابقة وفي إطار هيئات تختلف عن الهيئة التي أشرف عليها الأستاذ دربال نستخلص أنه أضعف شخصية سياسية أشرفت على رقابة الانتخابات.

تراجع الآفلان، جمود الاسلامين، وتقدم الأرندي

إن المطلع على نتائج الانتخابات يلاحظ تراجع الآفلان الذي فقد أكثر من خمسين مقعد بالمقارنة مع انتخابات سنة 2012 وجمود الوعاء الانتخابي للاسلامين في حدود 35 مقعد والتقدم الكبير الذي عرفه الأرندي الذي أضاف 50 مقعد في المجلس الجديد بالمقارنة مع مجلس 2012.

أما عن تراجع نتائج الآفلان فيرجع لسببين أساسين، الأول هو حالة الانقسام الداخلي الذي يعرفها الحزب منذ سحب الثقة من أمينه العام عبد العزيز بلخادم والذي خلفه عمار سعداني بمخالفات كثيرة لاجتماع اللجنة المركزية الذي أعلن فيه انتخابه أمينا عاما  ذات صائفة بفندق الأوراسي  وهو الانتخاب الذي قسم الحزب إلى قسمين الأول يقوده سعداني والثاني تقوده القيادة الموحدة عبد برئاسة الرحمان بلعياط، وهو الانقسام الذي ما فتئت هوته تتسع بعد وصول جمال ولد عباس إلى الأمانة العامة للحزب بعد الاستقالة الغامضة لسعداني. أما السبب الثاني لتراجع نتائج الحزب العتيد فهو الأداء الهزيل والأقرب للتهريج للأمين العام جمال ولد عباس أثناء الحملة الانتخابية الذي وصل إلى حد وصف الصحابي الجليل عقبة ابن نافع الفهري بالمناضل في حزب جبهة التحرير الوطني وهو ما أدى إلى حالة من النفور حتى من القواعد القديمة لحزب جبهة التحرير الوطني، و في المقابل يعود جمود الوعاء الانتخابي للاسلامين إلى التفكك المتواصل لحزب حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة و التنمية وإلى رتابة الخطاب السياسي للأحزاب الإسلامية الذي مازال خطابا قديما غير متماشي مع التطورات العميقة التي يعرفها المجتمع الجزائري، هذا من جهة ومن جهة أخرى يعتبر الفشل الذريع للأحزاب الإسلامية في المنطقة العربية والتي كانت السبب الرئيسي في خراب دولها من الأسباب التي أدت عزوف الشعب الجزائري من الانخراط في مشاريع هذه الأحزاب غير محمودة العواقب .

إن النتائج الإيجابية التي حققها التجمع الوطني الديمقراطي تعود لسببين أولهما هو شخصية الأمين العام للحزب أحمد أويحى الذي عرف كيف يحضر للموعد الانتخابي ذلك أنه المسؤول الوحيد حزبيا الذي زار كل الولايات قبل بداية الحملة الانتخابية وهو المسؤول الوحيد الذي قدم خطاب برنامج أثناء الحملة الإنتخابية، أما السبب الثاني فيتمثل في نوعية المرشحين الذين قدمهم التجمع والذين يعتبرون الأفضل وطنيا في تقديري .

مهما كانت الإخفاقات التي عرفتها انتخابات 04 ماي 2017 فإنها محطة من المحطات الإنتخابية التي تعزز مسار التجربة التعددية في بلادنا، وتضفي عليها المزيد من النضج فيكفي أنها وضعت حدا لعهد التزوير المنظم للانتخابات، ليبقى الأمل معقود عل أن تكون المواعيد القادمة أكثر نزاهة وشفافية في التعبير على إرادة الشعب وبناء دولة القانون والمؤسسات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اقرأ أيضا..