قراءة في خطاب قائد الأركان
27 آذار 2019 660

رأي

قراءة في خطاب قائد الأركان

بقلم د.بوعلام بطاطاش

 أثارت التصريحات الأخيرة لقائد الأركان صخبا ولغطا كثيرين بين أوساط الساسة والمحلّلين، بين مساند ومعارض، وبين متخوّف ومشكّك، لذلك ارتأينا أن نبيّن بعض الأمور الواردة في خطابه عساها توضّح جانبا من محتواه.

أولا: التصريحات التي أدلى بها قائد الأركان كانت باسمه الخاص وليس باسم الجيش حيث قال في تصريحه: (( ...وفي هذا الإطار سبق لي في العديد من المرات أن تعهدت أمام الله والوطن والشعب ...)) فهو يريد تقديم رأيه وموقفه اتجاه قضية كثرت التأويلات حولها، وله كامل الحرية في ذلك طالما لم يتحدّث باسم الجيش ولم يقحمه بعد في السياسة.

ثانيا: نحن نلاحظ في تصريحه الأخير تركيزه على ضرورة العمل بمبادئ الدستور وعدم الدوس عليه حيث يقول ((...من إيجاد حلّ للخروج من الأزمة، حالا، حل يندرج حصرا في الإطار الدستوري، الذي يعدّ الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر)). ويقول في موضع آخر: (( ... وهو الحلّ الذي يضمن احترام أحكام الدستور، واستمرارية سيادة الدولة)) فنحن نرى أنه أظهر جليا رغبته في إيجاد حلّ للمأزق السياسي الذي نحن فيه الآن لكن داخل الأطر الدستورية، وتوظيفه للفظة (( حالا)) مرده عدم انتظار ما بعد 28أفريل، فالرئيس وفق رسالته الأخيرة يريد تمديد ولايته، لذلك يجب إيجاد صيغة دستورية تجعلنا بمنأىعن الوقوع في فخ الفراغ الدستوري القادم.

ثالثا: إنّ العواقب التي ترتّبت عن عملية إلغاء الانتخابات الرئاسية خطيرة جدا، إذ من جهة لا يوجد أيّ نص قانوني يسمح للرئيس بالقيام بذلك الإجراء، فنحن لسنا لا في حرب ولا في حالة طوارئ، إذ كان لزاما على المجلس الدستوري آنذاك رفض ذلك القرار، خاصة وأن الدستور الجزائري لا يحمل بين طياته الاجراءات التي سيعمل بها بعد نهاية عهدة الرئيس، بمعنى أننا سنقع مرة أخرى في فراغ دستوري شبيه بالذي مرّت به الجزائر في 1992، فالدستور لا يسمح بتمديد العهدة ولا يقدّم آليات أخرى لسد فراغ تأجيل الانتخابات، لذلك أضحى من الواجب الآن إيجاد الصيغ الدستورية المناسبة والكفيلة بإخراج الجزائر من مأزق هذا الفراغ.

رابعا: عندما أشار قايد صالح إلى ضرورة تفعيل المادة 102 من الدستور فلكونها المادة الوحيدة التي تجنّبنا هذا الفراغ الدستوري، لكن خطابه لم يتضمن أبدا الدعوة لإعلان الشغور مثلما يروّج له البعض، لأنه في هذه الحالة لو وافق البرلمان بغرفتيه على هذا الأمر فستترتّب عنه تبعات كثيرة وخطيرة، فالرسائل التي كان يبعث بها الرئيس من قبل ، إلى جانب الإقالات والتعيينات التي تمّت خلال هذه الأيام وآخرها تغيير مدير التلفزيون العمومي تصبح كلها باطلة، ويفترض بذلك إجراء تحقيقات معمّقة للوصول إلى الأطراف التي كانت تقوم بتوقيعها باسم الرئيس، الأمر الذي يجعل تطبيق عزل الرئيس حاليا غير منطقي.لكن بالمقابل تحمل المادة نفسها آليات أخرى غير إعفاء الرئيس من مهامه بسبب المرض، يمكن تطبيقها لتجنيب البلاد الوقوع في فراغ دستوري، فهناك مثلا تقديم الرئيس استقالته إلى المجلس الدستوري الذي يشرعفي الاجراءات القانونية لاستخلافه وفق ما ينص عليه الدستور. أو الاعتماد على ما تنصّ عليه الفقرة الأخيرة المادة 102والتي تقرن استقالة الرئيس باستقالة مجلس الأمة، إذيمكن لها أيضا أن تطّبق إذا ما رأى رئيس مجلس الأمة بأنه شخصية غير مرغوب بها من قبل الشعب، وفي هذه الحالة يتولى رئيس المجلس الدستوري مهام رئيس الدولة. أي أنه توجد أكثر من آلية لحلّ أزمة شغور منصب الرئيس تضمنها المادة 102قبل حلول 28أفريل.

خامسا: يتولى قايد صالح منصب نائب وزير الدفاع، ورئيس الأركان في الحكومة التي اختارها الرئيس، وإلى حدّ كتابة هذه الأسطر لا يزال رئيس الجمهورية هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، فهذا الأخير يمكن له في التعديل الوزاري القادم تغيير نائب وزير الدفاع وتعيين رئيس آخر للأركان، إذ لا يمكن تفعيل المادة 104 من الدستور التي تنص على عدم تعديل الحكومة القائمة، طالما رئيس الجمهورية يقوم بمهامه، وبالتالي فإن قائد الأركان لا يمكن له تقديم أوامر لعزل الرئيس وإنما تقديم وجهة رأيه لضمان استمرارية الدولة لا أكثر.

سادسا: عندما قال قايد صالح في تصريحه بضرورة تبني حلّ يكفل الخروج من الأزمة ويستجيب للمطالب المشروعة للشعب الجزائري، فهو بذلك يعلن صراحة رفضه للتمديد وهو أحد مطالب الشعب في حراكه السلمي، لكن بالمقابل توجد مطالب أخرى، يجب تحقيقها، وعلى الطبقة السياسية إيجاد الآليات الضرورية الكفيلة لتحقيق ذلك بما فيها التغيير الجذري للنظام القائم، علما أن هذا الأمر لن يتأتى بين عشية وضحاها،بل يتطلّب وعيا حقيقيا بمختلف المخاطر التي تستهدف عرقلتهحتى نضمن عدم انحراف القطار من جديد.

سابعا: قامت الكثير من الأحزاب السياسية والجمعيات بتثمين تصريح قايد صالح، على الرغم من أنه لا يعدّ سوى وجهة نظر لا أكثر، فما الهدف من وراء ذلك؟ هل لإعطاء نظرة على أن الجيش يتدخّل في السياسية، أم أنها بمثابة دعوة له للتدخّل؟فالرجل قدّم وجهة نظره التي تساير أحد مطالب الشعب، فلا جدوى إذن للتهويل أوالتطبيل وكأنه قد قام بإصدار قرار بعزل الرئيس، فالشعب لم يطالب يوما بتدخّل الجيش أو تسييسه، وعلى الأحزاب احترام هذا المبدأ والابتعاد عن الصيد في المياه العكرة.

إنّ الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد على الرغم من خطورتها، يمكن لها أن تحلّ بسرعة، فوعي الشعب من جهة، وحياد الجيش من جهة أخرى يسمحان بإيجاد الآليات  السياسيةالمناسبة، فتغيير النظام في الأطر القانونية والدستورية ممكن جدا في حال ما لم يسمح للثورة المضادة التي تقف وراءها القوى غير الدستورية من خلق البلبلة لتحقيق أهدافها.