43 مليون رئيس.. !
26 كانون2 2019 278

43 مليون رئيس.. !

كل الذين انتقدوا هبّة بعض الجزائريين والجزائريات من أجل الترشح للرئاسيات، “تفلسفوا وتسيّسوا وأفتوا”، وقدموا أنفسهم في رُتب كثيرة وراقية كمفكرين ومصلحين اجتماعيين، استصغروا من خلالها طموح الباحثين عن مقعد المرادية، وكبّروا أنفسهم فوق السياسة والفكر والفقه والعلم، فجاء النقد أسوء من جرأة الذين تقدموا للمنافسة على مقعد الرئاسة، وتشابه الداء بالدواء كما هو حال البلاد منذ عقود.

كل مدربي الكرة الذين قادوا المنتخب الجزائري وبقية الأندية الجزائرية والذي قدموا من كل بلاد العالم، كانوا يقولون بأنهم عملوا في بلاد فيها أكثر من أربعين مليون مدرب، ففشل جميعهم، وغادروا، وبقي كل فرد من الشعب مقتنع بأنه هو الوحيد الذي يفهم فنون الكرة وبإمكانه أن يقيّم هذا اللاعب أو ذاك، وكل جزائري مقتنع بأنه يفهم الطب في أحسن من طبيبه، فكانت النتيجة انهيار المنظومة الصحية وظهور الرقاة والمشعوذين وضاربات خط الرمل والكف وإخوان “الجن شركس” وأخواته.

وبقدر ما كان البعض يزعم فهمه كل شيء، بقدر ما كان يقذف أهل الاقتصاد والفكر والعلوم، بالجهل، والأخطر من ذلك يحاربهم في كل مكان، فكانت النتيجة هروب الأدمغة إلى غير رجعة، وتقدم النماذج التي يشاهدها الجزائريون إلى قمة المديريات ونيابة المجالس المحلية والشعبية وحمل الحقائب الوزارية والترشح لرئاسة البلاد.

أحد المحسوبين على عالم السياسة، من الذين فرّخوا وشاخوا وهم يلعبون دور الأرانب والخرانق – وما أكثرهم – اعتبر تجرؤ جزائريين وجزائريات على الترشح للرئاسة بهذه الكثافة وبهذه المستويات العلمية المتدنية، أمرا إيجابيا ويدلّ على ثقة الجزائري بنفسه وإيمانه بالديموقراطية وتحدّيه لكل الظروف، ولكنه لم يُجبنا عن سبب غياب الثقة في جامعاتنا التي تحتل المراكز الأخيرة عالميا، وعن غياب الديموقراطية التي جعلت الفوز في الانتخابات لمن يدفع أكثر، وعن غياب التحدّيات في جسدنا الاقتصادي الذي لا ينبض إلا بدماء البترول، وربما لا يعلم بأن الذين تقدموا من باب الترشح للرئاسيات، إنما فعلوا ذلك عندما عاشوا العمر كله، وهم يطرقون أبواب النيابة وحتى الحجابة، ولا أحد فتح لهم.

الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الذي يمارس فيه “التاجر” أكثر من تجارة فهو مرة حلاق وأخرى نجار ومرة إسكافي وفي رمضان بائع زلابية، وهي البلد الوحيد الذي تُدار فيه بعض الجامعات بمدراء لم يحصلوا على شهادة البكالوريا ولم يدخلوا الجامعة كطلبة، وهي البلد الوحيد الذي يمنح قيادة البلدية ودخول مجلس الشعب والأمة ويمنح الحقائب لمن لا يمتلكون من الشهادات غير شهادات ميلادهم، فيمنح قيادة الجوق في الفرق الموسيقية لمن لا يفرق بين النوتات، ورئاسة الجمعيات الأدبية لمن لا يفرق بين الشعر والنثر، فكان بذلك للجزائر 43 مليون فقيه، و43 مليون مدرب، و43 مليون طبيب و43 مليون مصلح اجتماعي، فكيف لا يكون لها 43 مليون رئيس..عفوا أرنبا في سباق الرئاسيات؟

عبد الناصر بن عيسى

اقرأ أيضا..