شفيقة العرباوي
شفيقة العرباوي
08 آب 2018 596

إعلام الأزمة... وأسياد العالم الجدد

شفيقة العرباوي

يثير وضع الإعلام السمعي البصري في الجزائر الكثير من التساؤلات  لدى خبراء الإعلام  ومحترفي التلفزيون والسياسيين باعتبارهم الأقرب  والأكثر احتكاكا  بوسائل الإعلام، إذ تتوارد  في  الجلسات  العامة  ونقاشات المفكرين عدة أسئلة عن مدى صدقية الدور الذي يجب أن تلعبه وسائل الإعلام  في بلدنا اليوم، الذي يبدو مختلفا كثيرا عن باقي  الدول، فشخصوه بالإعلام الذي يخدم  نفسه فقط  دون أن  يقدم أدنى خدمة أو منفعة  للقارئ، وان الرأي العام أضحى هزيلا وغير فعال وكأنه المعامل المفقود في المعادلة. 


لأنه لا يملك مفاتيح التأثير التي يفترض أن تقدمها له وسائل الإعلام، التي بدورها يديرها  أسياد العالم الجديد هؤلاء الإعلاميون، بل أصحاب الأجهزة الإعلامية المتغولة بمالها و التي أضحت  الفيصل في قرارات مصيرية لبلدنا والذين أغلبهم دخلاء عن المهنة وقد نجزم بأنهم دخلاء حتى عن بلدنا.وموازاة مع ذلك جاءت الطفرة الرقمية  التي أضحت المنافس أيضا  لنفس الوسائل والأدوات الإعلامية  لدرجة أن  هذا التنافس  ولد ظاهرة مخيفة وغريبة عن أخلاقيات القطاع.. اختصرها البعض في المقايضة باسم الرأي العام وحق المواطن  وقوة الحقيقة… وهي كلها شعارات واهية لدى أسياد العالم الجديد، اذا علمنا أن  الكثير منهم أي مالكو  وسائل الإعلام  جعلوا من سلطتهم سلاحا  في وجه السياسيين من حكام  أو رجال أعمال نافذين من أجل ابتزازهم و استغلالهم  في فرض  اتجاه  فكري سياسوي معين  هو بمثابة أصول ثابتة في رأسمال تلك  المجموعات.

قد يكون  هذا الوصف اللغوي مبالغا فيه إعلاميا لكنه، ميدانيا هو الأكثر  ممارسة  وتواجدا في الساحة.

 فلا يخفى على شخص مطلع أن جل وسائل الإعلام هي اليوم رواج للمال الفاسد، إذا لم نقل تبييضا لأموال، عجزت أن تشتغل  في النور، فراحت تختفي وراء ما يسمى خدمة الرأي العام  والإعلام. فهل يدرك المتدخلون مثلا، عبر جل وسائل الإعلام ، خاصة القنوات التلفزيونية، أنهم بمثابة وسائل وأدوات، لاستفزاز و ابتزاز المسؤولين للحصول على مزايا مالية وتجارية وسياسية لاغير، هل يعلم الخبير السينمائي أو المثقف أو الكاتب أو الفنان أو رئيس  الحزب السياسي  أو ممثل الجمعيات المحلية . ..الذي أصبح يطل في نفس الأمسية على عشرات القنوات التلفزيونية، انه مجرد بطاقة جوكر، تستغل من قبل بعض القنوات التي تستدعيه اليوم في بلاتوهاتها من أجل  إشراكه في سيناريو الابتزاز الفكري الذي تمارسه بواسطة الطبقة المثقفة للضغط على السلطة التنفيذية، وكل ذلك ليس بهدف تغيير الأوضاع وإنصاف الحق العام ولكن رغبة في الابتزاز وتحقيق بعض المصالح والامتيازات.  أيعقل أن المثقف و كل ما يتمتع به من وعي وثقافة وحنكة فكرية لم يتفطن لهذه اللعبة القذرة التي تمارسها الكثير من وسائل الإعلام اليوم -بإستثناء بعضها طبعا- حتى لا يتم التعميم، بعد ان أفقدتها الأزمة المالية والصعوبات المادية أدنى سلوكيات الأخلاق، أيعقل أن  تتواصل الأمور بهذا الشكل من التدني، في الوقت الذي نشاهد فيه وفي الضفة الأخرى احترافية تجاوزت الخيال، ونحن هنا لا نتحدث عن الدول الغربية.

وإنما عن دول عربية مسلمة لا تملك ربع إمكاناتنا المادية ولا تتمتع بربع فضائنا الديمقراطي؟.

 فإذا ما كانت حرية التعبير والتعددية الإعلامية مكسبا أخلاقيا  وسياسيا  للمواطن ولأهل المهنة بالدرجة الأولى، فهذا لا يبرر احتكار هذه الأخيرة  لسلطتها من أجل تحقيق الأنا المادي ومخالفة مبادىء الممارسة الصحيحة،  فكما  أشار  إليه الكاتب الامريكي  وأحد واضعي الدستور الأمريكي  اليكسندر اميلتون  في مقولته الشهيرة  "كيفما  كانت مقتضيات الدستور القانونية  المصوغة  في عبارات  جميلة لحماية حرية الصحافة والدفاع عنها  فانها لا تكفي  مالم يحمها الرأي العام  بعد أن  يطمئن  لعملها فإن رآها تخدم الحقيقة ساندها  و إن كان العكس عارضها  وتخلى عنها". فالرأي  العام  هو الوحيد الذي  يمكنه  أن  يعيد توجه الإعلام في الجزائر،  واتضح في عدة مناسبات أن هذا الأخير له من التأثير  والضغط  ما يسمح له  بالتأثير في طبيعة الممارسة بالشكل المهني الذي  يستوجب احترامه، وبالتالي يفرض مادة إعلامية وفكرية خالية من أية شوائب ذاتية.  وقد أكد  ذلك  عبر  حملات  إعلانية إعلامية عبر الفيسبوك  كحملة "خليها تصدي " مثلا- و أن مصير  المواطن  تصنعه  الإرادة  في تغيير الوضع،  نفس الأمر قد  يحدث  اذا ما  إستوعب  الرأي العام أن  الإعلام المطلوب  هو إعلام يخدم الحقيقة قبل كل شيء ويرعى تطلعاته و توجهاته الفكرية بعيدا عن أية مصالح سياسوية او خاصة. فحسب الإعلامي الكبير السيد سليمان زغيدور، صحفي ورئيس تحرير بتيفي سينك موند، الإعلام في الجزائر يحتاج الى  اعادة نظر حقيقية  تهيكل فيها المفاهيم والأشخاص قبل الأجهزة وأين يكون الرأي العام هو الركيزة الأساسية والمحورية للمشروع الاعلامي الوطني.  

   شفيقة  العرباوي

اقرأ أيضا..