الحكومات الصالحة والحكومات الفاسدة... أين نحن؟؟
15 أيلول 2019 1076

الحكومات الصالحة والحكومات الفاسدة... أين نحن؟؟

أ.د. نورالدين حاروش

كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية

جامعة الجزائر3

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

      لست أدري لماذا كلما أردت الكتابة عن الحراك الشعبي الذي تعرفه الجزائر حاليا تعود ذاكرتي بسرعة إلى دولة المدينة  ـ أثينا ـ  والممارسة الديمقراطية المباشرة التي كانت سائدة  فيها؟

      لعل السبب يكمن في تشابه الظاهرة السياسية وهي خروج الشعب بكل أطيافه إلى الساحات العمومية للتعبير عن مشاعره والمطالبة بتحقيق احتياجاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية وهو ما كانت تقوم به جماهير دولة أثينا خلال القرن السادس والسابع قبل الميلاد؟

       وكما ذكرت في بعض المقالات السابقة، فإن أثينا كانت تعرف تنظيما سياسيا أسس فيما بعد لمختلف الأنظمة الديمقراطية الحالية، ولكن ما ميز النظام السياسي لدولة المدينة هي تلك الممارسة الديمقراطية المباشرة، فكان الأفراد يحضرون الاجتماعات العامة ويختارون بأنفسهم من يثقون فيهم ليقوموا بالأدوار السياسية، وقد تطورت هذه الديمقراطية المباشرة في وقتنا الحالي إلى نظام التمثيل النيابي وهذا بعدما أصبح من الصعب على الدول الحديثة استدعاء مواطنيها ليجتمعوا في مكان واحد والتباحث في قضايا تهم مدينتهم، وقد عوض هذا بممثلين عن سكان كل مقاطعة لإبداء الآراء في جميع المواضيع المهمة، ولا يختلف الأمر حاليا في الجزائر فإن الجماهير التي تخرج أسبوعيا إلى الساحات العمومية إنما تبحث عن من تثق فيه لتقلد مناصب المسؤولية وتسيير البلاد،  من خلال انتخاب رئيس وتعيين حكومة  ووزراء . ولا يمكن أن يكون كل الناس في الحكومة  طبعا نتيجة عدم أهلية البعض كما يقول سقراط ؟؟

      وقد أردت من وراء هذه المساهمة تبسيط بعض المفاهيم السياسية التي تبدو ظاهريا معروفة لدى العامة لكن باطنيا تحتاج إلى فهم وإدراك، ومن بين هذه المفاهيم الحكومة أو الحكومات وأنواعها وأفضلها والحكومات الصالحة والفاسدة وكيف تكون الحكومة صالحة وتتحول إلى فاسدة وكيف تتعاقب هذه الحكومات بتوفر الظروف والأسباب؟

     سنحاول العودة إلى مساهمة أفلاطون وأرسطو بشأن أنواع الحكومات ونترك الحرية للقارئ الكريم القيام بالإسقاطات والمقارنة والتشبيه وغيرها بخصوص ما عرفته الجزائر وما تعرفه من حكومات وأنا متأكد من أن القارئ لا يجد صعوبة في ذلك؟؟

    فهذا أفلاطون يفصل في أنظمة الحكم التي بإمكانها التحقق في أي مكان وزمان وقسمها تقسيما خماسيا تفاضليا، أي أن الحكومة رقم واحد هي أفضل من الحكومة رقم اثنين، وهذه الأخيرة أفضل من الحكومة رقم ثلاثة وهكذا... وهي كالتالي:

الحكومة الأولى هي الحكومة الأرستقراطية:  وهي حكومة الممتازين والحاكم فيها فيلسوف، حكومة الفرد الفاضل الذي هو على درجة عالية من الذكاء والمعرفة والفطنة والحكمة وعلى قدرة فائقة في الإدراك، وفكرة الخير لا تفارقه وهذا أمر طبيعي لأنه يحاول دائما أن يتشبه بالإله؟  وبالتالي فهذا النوع من الحكام ليس بحاجة إلى قوانين تقيده، ففضيلته وحكمته تجعلانه دائما يتخذ القرار الصائب والأصح، والحاكم الفيلسوف يسعى إلى توجيه شعبه إلى الطريق المستنير ومنه إلى السعادة الحقيقية، و يعمل دائما على قمع الفساد، لذا وضع أفلاطون زمام الحكم والسلطة في أيدي الفلاسفة. فهل عرفت الجزائر في تاريخها هذا النوع من الحكام، أو على الأقل نعت الحاكم بمثل هذه الصفات من طرف جزء من الشعب؟

الحكومة الثانية وهي الحكومة التيموقراطية:  أي حكومة الأقلية العسكرية تصل إلى الحكم بواسطة قوتها ونتيجة فساد الحكومة الأرستقراطية وهي مظهر انحلال الدولة المثالية، ويمكن إعادة طرح السؤال السابق بخصوص وجود هذا النوع من الحكم في الجزائر؟

الحكومة الثالثة وهي الحكومة الأليجارشية : وهي الأقلية الغنية التي تملك المال وتستحوذ على السلطة من خلال شراء الذمم والتزوير ،  وهنا تظهر الأغلبية الفقيرة من الشعب لأن هذه الأقلية التي بيدها الحكم تجعله في صالحها وتنمي بذلك ثروتها الشئ الذي يوسع الهوة بينها وبين الأغلبية الفقيرة، وقد جاءت هذه الحكومة نتيجة فساد الحكومة التيموقراطية أو الأقلية العسكرية.  فهل عرفت الجزائر هذا النموذج من الحكم؟

الحكومة الرابعة وهي الحكومة الديمقراطية: أو حكومة الشعب وهي انتشار الحرية والمساواة في المجتمع وقمع الفساد، ويعود بذلك الحكم للشعب، هذا الأخير يشارك في الحياة السياسية بصورة فعالة وتحقيق لرغبة الجماهير الفقيرة التي طالما عانت من الفقر والحرمان وتأتي كذلك بعد فساد حكومة الأقلية الغنية السالفة الذكر. نتوقف هنا قليلا، ونقول ما أشبه اليوم بالبارحة واللبيب بالإشارة يفهم؟

الحكومة الخامسة وهي حكومة الطغيان أو الحكومة الاستبدادية:  وهي فساد الديمقراطية وانتشار الفوضى في المجتمع مما يدفع بفرد واحد الأخذ بزمام الحكم والإنفراد به، لذلك سميت بحكومة الفرد الطاغية، ولكن هذا الفرد يعيش في حالة قلق وخوف دائمين أي في حالة اللا استقرار. لذلك نقول دائما حذاري من فوضى الديمقراطية التي تتحول إلى غوغائية وديماغوجية وتفسح الطريق إلى الحكم الفردي المستبد؟؟

    هذه الأشكال من الأنظمة حسب رأي أفلاطون تشكل دائرة مغلقة ومتعاقبة الواحدة تلوى الأخرى، وهذا طبعا إذا توفرت الظروف والأسباب. فعلى مستوى النظام الارستقراطي يبدأ بفساد أخلاق الفلاسفة نتيجة إهمالهم للتربية، فيتهافتون و يلجأون إلى المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة ويسعون لطلب المجد والجاه، وبعد أن يكون الخير قد عم المدينة يظهر الشر كانقلاب عليه ويبدأ في الانتشار ، ومنه فلابد من مواجهته بالقوة وهنا تتدخل القوة العسكرية وتأخذ بزمام الأمور ولكن سرعان ما تفقد هذه الطبقة خصالها المتمثلة في الشجاعة والإقدام وهذا لظهور إغراءات جديدة وهنا يظهر نظام جديد وهي الأقلية الغنية التي تعمل على تنمية ثرواتها دون الالتفاف أو الاعتناء بالأغلبية الفقيرة، وبما أن الشعب تواق للحرية والمساواة فسرعان ما يأخذ بزمام الأمور ويطيح بالحكم السابق ويتولى السلطة والممارسة الديمقراطية  فتنتشر الحرية والمساواة، ولكن عيوب الديمقراطية المتمثلة في المناقشات وإبداء الآراء المتواصلة وغير المنقطعة تعطل العمل وتجعل المجتمع يعيش في فوضى عارمة، وهنا يستغل فرد هذه الوضعية ويأخذ الحكم بالقوة ويمارسه، وهنا يظهر الاستبداد والطغيان ويصبح هذا الفرد متحكما في الدولة دون رقيب ولا حسيب...

      أما أرسطو فقد ميز بين نوعين من الحكومات، الصالحة وهي التي تحقق سيادة القانون وبسيادته يسود العدل، والحكومات الفاسدة أو غير الصالحة.

فأما الحكومات الصالحة وعددها ثلاث، فهي كالتالي:

الحكومة الأولى وهي الحكومة الملكية: وهي حكومة الفرد الفاضل العاقل العادل، قد يمكن الدولة من تحقيق الآمال وانجاز الأعمال نظرا لسرعته في اتخاذ القرارات، لكن عيبه أنه ينقلب إلى حكم استبدادي عندما يواجه الملك أزمات ويشعر بالضعف كما أنه يعاب عليه فكرة الوراثة وتداول السلطة بين أعضاء الأسرة المالكة دون النظر إلى المؤهلات السياسية.

الحكومة الثانية وهي الحكومة الأرستقراطية: أي حكومة الأقلية العادلة أي النخبة التي تحتكر السلطة والعلم، وميزتها أنها الفئة المؤهلة من ناحية العلم لأن أهلها أثرياء يتوفرون على الإمكانيات التي تمكنهم من التعليم، وعيبها هو أن الحكام يتجاهلون مطالب الشعب ولا يحسون بما يعيشه ويعانيه.

الحكومة الثالثة وهي الحكومة الديمقراطية:  أي حكم الأغلبية الشعبية ويعتبرها  أرسطو من الأنظمة البناءة لأنها تمنح الأفراد فرص متساوية وتسيّر الأمور حسب قوانين تنال موافقة الأمة، لكن عيبها يكمن في الفوضى التي تنشأ عنها وتؤدي إلى تدهور الوضع السياسي.

أما الحكومات الفاسدة، فتشمل بدورها الحكومات الثلاث التالية:

الحكومة الأولى وهي الحكومة الطاغية الناتجة عن فساد الحكم الفردي الملكي وهي حكومة الفرد  المستبد.

الحكومة الثانية وهي الحكومة الأليجارشية: وهي حكومة الأقلية الغنية وهي نتيجة فساد الحكم الأرستقراطي فكلما شعر الناس بأنهم أقوياء كلما كبرت شهيتهم للسيطرة كما يقول أرسطو.

الحكومة الثالثة وهي  الحكومة الديماغوجية:  وهي حكومة العامة المتبعين أهواءهم أو حكومة الغوغاء وهي ناتجة عن فوضى الديمقراطية.

       فهل يمكن للشعب الجزائري، خاصة في خضم هذا الحراك المبارك، أن يتجاوز الحكومات الفاسدة وأن يؤسس لحكومة صالحة كانت محل إشادة من طرف الفلاسفة وهي محل تطبيق من قبل أغلب دول العالم المتقدم ...إنها الحكومة الديمقراطية؟؟