"الولاء والجهوية" أمراض تحاصر"الدولة الوطنية "
21 آب 2019 255

"الولاء والجهوية" أمراض تحاصر"الدولة الوطنية "

بقلم د.محمد مرواني

 بقلم د.محمد مرواني أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 المتأمل عن عمق في ما يقتضيه الظرف الحالي بعد إنطلاق بوادر ل"الحوار الوطني "ومبادرة المعارضة التي تتمثل في " منتدى الحوار الوطني " يدرك تماما أن ضمان إيقاع ل"الحوار " بين مختلف المكونات التي تشكل القوى الحية التي تتبنى خيارات "الحراك الشعبي " يجب أن يستمر لضمان مناخ عام للحوار وهذا المناخ العام لا يرجي توفيره من أحد أو هو طلب من أحد ..وإنما هو خيار تمليه كرونولوجيا الأحداث وما تحقق من مكاسب هامة بفضل حراك الشعب الجزائري الراقي الذي أنتج في اعتقادي مرحلة جديدة تفرض تغييرا شاملا في نظام الحكم السياسي وما ينسج منه من كيانات وممارسات وتوجهات ثم أن هذا المناخ يسمح لمؤسسة "الجيش الوطني الشعبي وهي مؤسسة دستورية جمهورية مارست دورا وطنيا خالصا وتاريخيا منذ انطلاق "الحراك الشعبي " في أن توجه همها وتركيزها إلى التحدي الأمني والإقليمي ومقتضيات التعاطي مع التحولات الداخل المحلي  غير انه يجب الاعتراف في هذا السياق أن الولاءات والجهوية قبرت كيان الدولة لعقود وسنوات .

وفي اعتقادي لا يمكن على الإطلاق أن يكون البناء الجديد للدولة الجزائرية بما يعنيه الوصف من معاني وإسقاطات عميقة وممارسات دون أن يكون هناك توازن بين الكيانات المؤسساتية التي اسميها بالثقل المؤسساتي ل"الدولة " وهي "مؤسسات الدولة السياسية " ومؤسسة "الجيش " التي كان إيقاعها منذ البداية منتظما وثابتا قابلة هشاشة في إدارة الأجهزة المدنية التنفيذية والمنتخبة التي نسجت ملامح مشهدها عن طريق "الولاءات , الجهوية المقيتة , تموقعات فرضها كارتل مالي .." ويجب أن يكون البناء الجديد للدولة الجزائرية الذي قد ينطلق النقاش حوله بعد الوصول إلى "توافق وطني " بخصوص "الانتخابات الرئاسية و"اللجنة العليا الوطنية لمراقبة الانتخابات " وهي هيئة مستقلة ينشد منها أن تكون ضامنا تاريخيا لتنظيم انتخابات رئاسية شفافة تقود إلى انتخاب "رئيس جمهورية " يتمتع بالشرعية الشعبية وفي اعتقادي أن التوازن بين الكيانات المؤسساتية الهامة للدولة في المرحلة المقبلة يقتضي تعزيز قوة المؤسسات السياسية المنتخبة وتحديد المسافات في إطار قوانين الجمهورية بين مؤسسات الدولة من حيث الصلاحيات الممارسة وأهمية تقوية الكيان المدني للدولة وإحداث قطيعة كاملة مع ممارسات النظام السابق الذي ميع "الحياة المؤسساتية والسياسية والعمومية " وأعتقد أن اللبنة الأولى للبناء الجديد للدولة الجزائرية ينطلق من تناول الظروف المحيطة الآن بكل مؤسسة من مؤسسات الدولة وأعبائها وما ينشد من كل مؤسسة في دستور جامع في المرحلة المقبلة التي لا يمكن صياغة توجهاتها دون "حوار وطني جامع وعميق " والمقصود ب"التوازن المؤسساتي " في الدولة ضمان إيقاع نوعي قانوني له شرعيته ومصداقيته يقوي من كيان الدولة ويجعلها كيانا مؤسساتيا لا يدار بفهم ضيق أو رؤى فئوية فما أنتج "الحراك الشعبي " من أداء في التعاطي مع السلطة ارتكز على أن الجزائريين الذين خرجوا بالملايين يخاطبون السلطة خارج "المؤسسات ".

 

أداء المؤسسة العسكرية محفز ل"الحوار"

 

وإذا تعمقنا في المحفزات الهامة التي تبعث على تجسيد توافق وطني هام وتاريخي بعد ان وجه "الحراك الشعبي " ضربات موجعة لفلول الفساد التي عاثت في البلاد فسادا منها مسؤولون سامون في الدولة ندرك أن أداء المؤسسة العسكرية ودعمها لخيار الشعب الذي خرج في شهر فبراير للمطالبة بتغير نظام حكم فاسد كان خطرا حقيقيا على الدولة وإني أرى هذا الأداء الوطني الراقي لمؤسسة الجيش يبعث على الاطمئنان بان هناك إرادة حقيقة لهذه المؤسسة لتجسيد مطالب الشعب وهذا يبعث على التوافق الوطني حول دور هذه المؤسسة وموقعها في ضمان انتقال حقيقي سلس للديمقراطية في الجزائر وأنا أعتقد أن التوافق الوطني حول دور الجيش في المرحلة الحالية وما ينشد منه جزء هام من الحل الوطني الذي ستنبثق عنه حلول أخرى تتضمن معالجة نهائية للتبعات الموجودة وسببتها ممارسات النظام السابق خاصة على الصعيد الممارساتي للفعل السياسي والمؤسساتي والإداري للشأن الوطني والمحلي ويجب أن ينتبه الساسة أن "الحراك الشعبي " هو الحقيقية والشرعية التي فرضت إيقاعا للتغيير السياسي وما يحدث خارج الحراك الشعبي ليس إلا دعامة لتقوية هذا الحراك الشعبي وجعله قوة تغيير واقتراح وهذه مقاربة يجب الانتباه إليها إذ تبقى مبادرات "الحوار الوطني " أحد المرتكزات الهامة التي يفرضها الحراك الشعبي الذي يرفض التحاور مع "الأطراف " التي كانت سببا في الأزمة ويصر أن يكون "الحوار " خيارا مطروحا ومسجدا بعد رحيل كل رموز النظام السياسي السابق.

 

الحراك هو الشرعية

 

وسيبقى الحراك الشعبي الشرعية الوحيدة التي يمكن على أساسها بناء الكيان المؤسساتي الجديد للدولة الجزائرية فالملايين التي خرجت من الشعب الجزائري إلى الشوارع للمطالبة بإلغاء العهدة الخامسة للرئيس السابق ومحاربة الفاسدين سيبقى الحراك الشعبي الكيان الذي يصوب أي مسار فيه اختلالات حتى لو انتخب رئيس للجمهورية منتخب فان الشعب سيمارس سيادته على مؤسسات الدولة التي اختطفت في عهد النظام السياسي السابق بسبب الفساد الأخلاقي والسياسي والمالي الذي شاب الحياة السياسية في البلاد وأنتج هشاشة مؤسساتية جعل منابر التمثيل السياسي هشة تفتد لأي شرعية شعبية وسياسية ولا يمكن أن يكون البناء الجديد للدولة بوجوه النظام السابق ومنابره التي تم استحداثها لتخريب الكيان المؤسساتي للدولة إذ جعلها الفاسدون كيانا لشخوص يعنين فيها المسؤولون بالولاءات والجهوية والمحسوبية وانطلاق من هذه الشرعية والحقيقة الموجود وهي "الحراك الشعبي " فان مقتضيات "الحوار الوطني تقتضي " الارتكاز على "الحراك الشعبي " كفاعل ومرجع للبناء الجديد " ثم الانطلاق في تجسيد مطالبه والانتقالى إلى الكيانات المؤسساتية المعبرة عن وجدانه وقيمه وإرادته الوطنية التي تجسمها قيادة سياسية منبعها شرعية شعبية ودولة قوية تبني مؤسساتها كفاءات وطنية.