حراك الجزائريينّ
17 حزيران 2019 531

رأي

حراك الجزائريينّ

بقلم لخضر بن يوسف

اللحظة التاريخية الحاسمة والحرية الشرعية  

بعد ثورة  22 فبراير التي حملت الأمل وكرست الترقب لانقشاع سواد الليل الحالك وأعطت التفاؤل لأفول حكم آل بوتفليقة  الذي كرس وضعا سياسيا في الجزائر يئن تحت وطأة الأنانية وغلبة المادية والرغبة في السيطرة ، ويعيش بالفعل أزمة أخلاق ، فبعد تأسيس منظومة سياسية منذ وصول الرئيس المخلوع بعد أن كان مختطفا ، في سنة 1999 بعد انتخابات شكلية محسومة حتى قبل مجيئه بانسحاب كل منافسيه لا دراكهم واعتقادهم الشديد  بأن هذه الانتخابات حتى ولو أعيدت 100 مرة ستكون لصالح بوتفليقة ، منظومة تتشكّل من الغباء و التعنّت و العناد و الاستهتار أسس لها شخصه في مخابر التآمر المنتشرة في كلّ مكان بتدبير منه وبتخطيط وتنظيم وعمل من الذين جاءوا به ليكفل لهم وله ولحاشيته مصالحهم وحقوقهم بما ليس لهم حق فيه ولا لغيرهم ، ديمومة حكم بوتفليقة التي كرست لقلة قليلة هي فائزة فيها وأغلبية ساحقة هي الخاسرة باستباحة واستحلال حقوقها  ، منظومة هيمن عليها الفساد وسقطت منها كل معاني الديمقراطية وضيق فيها على الاعلام والحريات وغاب فيها القانون وعدم احترام لحقوق الانسان أرست تقاليد علاقات مهترئة ومزيفة وبالية واستحدثت لنفسها مناخا أمثل عزل السياسة عن الأخلاق فهيا  إننا اليوم وبعد عشرين سنة من اختطاف للدولة وللرئيس وللمؤسسات وللحريات والأخلاقيات  .

 يتفكك رجل الظل وتتناثر شظايا زمرته التي جوعت واغتصبت واستباحت حقوق الوطن والمواطن في حقوقه وممتلكاته وحرياته  وانصب كل مطلب للملايين من الرجال في الساحات والأمكنة وفي كل الأزمنة على مدار 17 جمعة دون ملل أو تعب على الحريّة كمطلب أساسيّ  وجوهري ، حرية مطلقة تتمتع بأخلاق وقيم ومبادئ يتمتع فيها الفرد بالحقوق وتترتب عليه الواجبات في حضور وطغيان سياسة أخلاقية موجبة للمسؤولية لا تكون قاتلة لجمال الحياة والحرية والحق لكن المتمعن والمتفحص في الأوضاع الجزائرية التي آلت أليها البلاد يحقّ له أن يتساءل عن طبيعة و حدود هذه الحريّة المطلوبة ، فالحرية المطلوبة يجب أن تكون بعيدة عن السياسة الانتهازية واللاأخلاقية المثيرة للأطماع لأن مفهوم الحرّيّة يختلف عند المجتمع، فالحرية الايجابية هي التي تمكن الشعب من تحقيق طموحاته المشروعة لأنها بحق دعوة لتحقيق العدالة والقانون والحريات  والأمن والاستقرار بعيدا عن نشر الفوضى في الشارع ، و غلق الطرقات و المؤسسات من أجل مطالب اجتماعية شرعية ومشروعة ، حقيقة الأمر أنّ الجزائري لا يتباكى على الحرية في هذه المرحلة الفارقة والمفصلية من العهد البائس بصراحة ، لأنه لا يعاني من غيابها بل إنّه يفتقد وفاقد إلى الشرعية التي قتلت فيه المواهب وأحبطت الشباب وهجرتهم وأحالت الكثيرين منهم إلى الانحراف لأنهم يئسوا بل إنهم بحاجة للإبداع والتألق  وأشياء  أخرى كثيرة غائبة بل مختطفة ورهينة وجب استردادها واسترجاعها بكل حزم وعزم ، الشباب اليوم يفتقد إلى العدالة الحقيقة  ، و غياب العدل دون تمييز و عدم تكافؤ الفرص بالتساوي ، و التلاعب في مجال التقاضي  كم نحن اليوم بحاجة إلى الأمان لنا و لأبنائنا و لممتلكاتنا ومؤسساتنا في عصر سيطرت واستفحلت بل استبيحت  فيه الجريمة بامتياز  نحتاج إلى خدمات غائبة في مؤسسات مريضة أنهكها الفساد و دمّرها التغاضي عن الفاسدين بدل مؤسسات راقية تحتكم إلى الجودة والدقة والسرعة تواكب روح العصر والعولمة  نحتاج إلى قوّة الدولة و هيبت الجمهورية  التي تمنع المنحلّين و المنحرفين من إفساد الحياة اليومية الطبيعية ، و الاعتداء على قيمهم الأخلاقية ومبادئهم جهارا نهارا في مجتمع حضاري محافظ و في دولة دينها الإسلام الذي جاء ليتمّم مكارم الأخلاق ، نحتاج إلى تنمية اقتصادية حقيقية جبارة  تحافظ على ثروات البلاد من النفاذ ، و تصنع مستقبلا زاهرا لنا و لأبنائنا في بلدنا دون الحاجة إلى المساعدات الدولية أو الغرق في الديون والاستدانة  ،  نحتاج إلى تعليم جيد لأبنائنا ولمنظومة رصينة ولمدرسة الجودة لإعادة الاعتبار للمربي والمعلم والأستاذ والطالب وللبحث والاستثمار في العقول والكفاءات لا الأجسام ، نحتاج لشوارع نظيفة ولمحيط مريح ولمساحات خضراء تريح العقل وتمنح الراحة ، و لحماية كاملة على مدار 24 ساعة . أمّا التباكي على الحرّيّة السلبية فهو مشروع واضح المعالم ، يريد أصحابه أن يحصلوا على الحقّ في فعل كلّ شيء من شأنه إهانة المجتمع و الدوس على قيمه و احتقار معتقداته وخلق الفوضى وبث الرذيلة واشاعتها والانقاص من الرفاهية والشعور بالتوجس والريبة والخوف .