مقاربات

الحراك الشعبي والمؤسسة العسكرية وأفاق التوافق

بقلم د.محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

يحتاج "الحراك الشعبي " المتواصل برقي نضاله وسلمية حراكه إلى المزيد من التأمل وتدارس كيانه وإيقاعه ولا يمكن في تقديري على مدار أسابيع من المسيرات المكثفة للحراك الشعبي يوم الجمعة وفي سائر الأيام خاصة الثلاثاء عبر حراك الطلبة الجامعيين الحكم على ما سيحققه الحراك من مطالب وتطلعات هامة تحقق جزء هام وثمينة منها وهو العدول عن عهدة خامسة إلا. من خلال دراسة أدعو الأكاديميين إلى الاشتغال عليها وتخص تحديدا نوعية المطالب السياسية المرفوعة ومدى بقائها على الشاكلة التي هي عليها أو تغيرها تبعا لمستجدات أو ردود فعل للسلطة الحالية التي يرى فاعلون سياسيون أنها مصابة بجلطة رحيل رمز النظام السابق وعدد من قادته تباعا وهنا يطرح السؤال الهام من هي الجهة التي تدير فعلا وعلى قصر المدة الزمنية المتاحة لرئيس الدولة عبد القادر بن صالح السلطة وهذا السؤال المشروع له صلة أيضا بما يطرحه الحراك الشعبي الآن من تساؤلات هامة عن منظومة الحكم السياسي في الجزائر وكيف يمكن فرض نمط سياسي جديد يعيد للشعب سيادته على مؤسساته السياسية والدستورية .

رحيل رموز النظام مازال مطلب الحراك الشعبي الأساسي

وإذا ما تأملنا جليا في إيقاع الحراك الشعبي خاصة على مستوى تشكيل المطالب المرفوعة منذ الثاني والعشرين فبراير إلى غاية الجمعة الرابعة عشر سنرى وبشكل واضح أن هناك مطالب تحقق جزء هام منها مع مراعاة سلطة تقدير ما تحقق في ظل الظرف الحالي ثم الاعتراف بواقعية النضال الطويل من اجل التغيير السياسي فلا يمكن أن نغير كل شيء في أشهر خاصة عندما يرتبط التغيير بصناعة فكر جديد للدولة ولرسم ملامح جديدة لنظام سياسي بل انه يجب التأكيد على أن التغيير السياسي الذي ننشده عبر أفكار تتداولها مسيرات ولغة مطالبية مهيكلة في منابر وتنظيمات مؤثرة تحمل البديل يمكن لهذا التغيير أن يقع وبشكل نسبي ويواصل المرافعون عنه نضالهم وهم في مرحلة البناء السياسي الأول للفكر الجديد المؤسس للدولة والنظام السياسي الجديد وهذا معطى يجب نشره في الوقت الراهن خاصة وان الحراك الشعبي الذي حافظ على سلميته وطابعه الحضري يتواصل ويبحث عن آليات ووسائل جديدة للضغط وهذا سلوك متوقع في الحركات النضالية التي تنشد تغيير نمط وشكل ظاهر من الحكم السياسي في بلدان العالم ولان رحيل رموز النظام السياسي السابق مازال المطلب الهام والأساسي للحراك الشعبي وفق شعار "يتنحاو قاع " فانه يجب على السلطة الحالية مهما كانت أن تتمعن جيدا في أن هذا الخطاب الموجه لها لا يتصل فقط بالمسؤولين الذين سيروا الدولة عبر كافة المستويات طيلة عشرين سنة بل انه شعار ومطلب فرضته حركة الأحداث منذ إطلاق مشروع العهدة الخامسة فلا يمكن أن يكون هذا المطلب تلقائيا بقدر ما هو نتاج تراكمات لسياسة وأداء وممارسات وحركة أحداث صاحبت إطلاق مشروع العهدة الخامسة وبالتالي يجب ان تبادر السلطة من المفروض بإحداث تغييرات على مؤسسات الدولة وإيجاد آليات للاستعانة بالكفاءات الشابة الوطنية التي تمثل واجهة جديدة للدولة وضامنا أساسيا للتغيير في نمط نظام الحكم السياسي وأسلوب التسيير ومكونات الدولة ضمن الإطار المؤسساتي والسياسي وبالتالي مهما كان مطلب رحيل نظام الحكم السابق مطلبا عميقا فان التعاطي معه متاح في إطار وجود إرادة سياسية لتمكين إطارات جديدة جزائرية من تسيير الدولة دون إفراغ المؤسسات من الكفاءات النزيهة وهي موجودة عبر مستويات عدة وأنا أتحدث هنا عن إرادة بناء واجهة جديدة للدولة الجزائرية ،وهذا أمر تفرضه حركة الحياة ومنطق التداول على تسير شؤون الدولة فمن بلغ ببساطة سن التقاعد يجب أن يرتاح ويترك مكانه لإطار شاب سير الدولة شريطة توافر الكفاءة والخبرة والنزاهة .

 

مقاربة المؤسسة العسكرية في الأزمة تزن التحولات والتحديات

رغم أني تابعت في العديد من بلاتوهات القنوات التلفزيونية نقاشات حول أداءات المؤسسة العسكرية في الأزمة السياسية منذ بدايتها وبداية الضغط الشعبي الذي فرض تحقيق بعض المطالب الجوهرية للحراك الشعبي إلى أن هذه النقاشات  الأكاديمية والإعلامية لم تعطي لهذا الموضوع الدقيق والحساس أهميته فالمقاربة التي تعتمدها المؤسسة العسكرية في إدارة الظرف الحالي ترتكز على تقدير امني بالدرجة الأولى لمخاطر الدخول في فراغ دستوري لا تحبذ المؤسسة الوقع فيه لان الوضع إبان عن قطيعة كبيرة بين الشعب ومؤسسات الدولة والجيش ليست جهة مدنية لعيد ترميم مجالس منتخبة لاتمثل مثلا المواطنين كما المؤسسة العسكرية تتعامل لحد الآن مع الضغط الشعبي بإيقاع نوعي فأنتجت الخطاب التي خرج بها قائد أركان الجيش الوطني الفريق قايد صالح حالة من الاطمئنان العام على أن المؤسسة تمارس دورها الدستوري والوطني في حماية الوطن وتحقيق مطالب الشعب الذي طالب بمحاربة الفاسدين ومحاسبتهم ولعل المحاكمات التي تجري الآن جزء هام من مطالب الحراك الشعبي التي رفعت وألح الحراك على تجسيدها بعد كشف قضايا فساد نخرت أعلى هرم الدولة ويجب في هذا السياق التنويه بان المؤسسة العسكرية هي في موقع المرافق لمطالب الحراك الشعبي ولا تريد على الإطلاق وهذا من سلطة تقديرها ولها الحق في تقدير ما هو خطير على امن البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي إذ لا تريد المؤسسة إفراغ الدولة من كل الكيانات المؤسساتية وهذا خطير على الدولة وقد يجعلنا امام حالة فراغ خطير والظرف الدولي والإقليمي يبدو انه ضاغط وتقترب المؤسسة العسكرية من مقاربة الحل التوافقي الذي يرضي الحراك الشعبي دون إفراغ الدولة من كيانها في ظل الانتقال السياسي فهذا لا يمكن ان يقبله المنطق السياسي الذي تدار به الدولة فمؤسسات الدولة يجب أن يطالها التغيير بعد التوافق على انتخابات رئاسية يوفر لها الجو العام الضامن خاصة سياسيا وبالتالي يؤدي انتخاب رئيس الجمهورية إلى واقع جديد سياسي ينطلق منه الحراك الشعبي في فرض مطالب أخرى على الرئيس المنتخب والتوافق معه في إطار عقد ملزم جديد يتم دسترته على رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة التي يجب أن تكون توافقية لان المشكل في اعتقادي يتصل بغياب أي صلات مباشرة وقوية ذات دلالة بين الطبقة السياسية الحاكمة والمعارضة والشعب الذي خرج في الثاني والعشرين فبراير يخاطب السلطة خارج مؤسسات بنتها على مدار سنوات ولم تمثل إلا جدرانا وهذا مشكل آخر يتصل بالأزمة السياسية التي تعيشها البلاد وترتبط بضعف وهشاشة منابر التمثيل السياسية واني لازلت أرى أن التوافق بين الحراك الشعبي ومطالبة ومقاربة المؤسسة العسكرية لضمان مرحلة انتقال سلسة في إطار الدستور متاحة بقوة ويجب فقط الاشتغال على آليات للتقارب في وجهات النظر والانطلاق في لغة تخاطب جديدة بين المؤسسة والحراك الشعبي الذي يبقى غير ممثل ويمكن الاتصال به عبر تقدير لحركة المطالب وعمقها وأهميتها في بناء ملامح نظام سياسي يرتكز على قيم جديدة ويؤسس لواجهة جديدة تبني وتسير الدولة بالتوافق وعقد جامع تتنافس فيه البرامج والأحزاب على بناء الدولة دون شعبوية في الطرح وبناء مكونات على أساس الولاءات والجهورية المقيتة التي يسعى البعض إلى توظيفها لتحقيق مآرب الأعداء وما أكثرهم واعتقد أن تساؤل المؤسسة العسكرية عن النخب هام ويجب أن تفهم الرسالة على أنها المؤسسة تخاطب سلطات تقدير للظرف تبديها نخب مدينة وسياسية تزنان الجيش تحمل لحد الآن الكثير من الأعباء .