أطلال، وذكريات

يوميات سجين فوق العادة

بقلم: أحمد قصوري      

 القرية التي كانت، صارت اليوم أثرا بعد عين..

لكن الأماكن تلك، أبدا لا تُنسى. وصيغ للتعامل مع الحياة عايشتها، قد تدهشك، كما أدهشتني. على مدى قرون، كانت، واستمرت. بساطة في المعيشة، وإصرار عجيب على ترتيب التفاصيل اليومية، وحل المسائل، ومواجهة المواقف بثبات، وإعداد العدة بتلقائية لكل أمر. وذلك السعي الجميل، في هدوئه، ودأبه، والصبر الذي لا ينفذ. كل شيء كان يتآلف هنا، كما تتآلف عناصر الأرض..

ــ 1 ـ

وتلك العجوز، “آخر الموهيكان”. جلستُ أتابع يديها النحيلتين، وهما تفكان رباط كيس الدقيق بكامل العناية، وتخلص الخيط، وتضعه على الرف، لأنه سيجيء وقت الحاجة إليه لا محالة، كما السلك الذي التقطته من الطريق، والمسامير المعوجة التي أعادت إليها سلاستها، وعلب المصبرات، والزجاجات التي أفرغت من العصائر والزيوت. لقد جمعتها من الحواري البعيدة، لتبعث فيها الحياة من جديد، بتأن، ومحبة، وتصنع منها وسائل وأوان للمعيشة.. وأنت قد لا تدرك شيئا في البداية، ثم تسحرك الأيادي الذكية، لأن لا شيئ هنا يُرمى أو يُبذّر، فكل شيء بحساب. أراها. تضع حفنة الدقيق في قصعة الفخار، وتصب الماء بمقدار، والزيت بمقدار، والملح بمقدار. ثم تروح تعرك. وهي لا تعرك بشكل عشوائي. إنه إيقاع منتظم، تتناغم معه حركة الجسد، وتنطق أساور الفضة في المعصمين، بموسيقاها الخاصة، فيمتزج الكل في لحن خاص متفرد..وتروح تلك الأصابع الجافة، الدقيقة،  تغوص في العجين، بحذق وحنان، وتلمه، ثم ترفعه وتلقيه في القصعة، وترفعه وتلقيه، إلى أن تبلغ فيه الطراوة منتهاها. ثم تصنع القرص المتناسق، وتضعه في “الطاجين”، على كانون تتوهج فيه جمرات الحطب، وقد نضجت ناره.  وتأخذ عود الكبريت، وتحدث الثقوب في سطح الكسرة،  وتقلبها. ثم تخرجها طازجة شهية، وتلفها في قطعة القماش النظيفة. إنها السمفونية الأبدية تتكرر، في المكان نفسه، وبالطريقة ذاتها..

ـ 2 ـ

ها هو بيتنا القديم، على المرتفع مازال يطل على مقر “ثاجماعث”  في وسط القرية. لكن ما باله يبدو صغيرا اليوم ؟ هل هذا هو ذلك البيت الذي احتوانا صغارا ؟ هل هو الذي كنت أجري وألعب في فنائه ؟ وكيف كان يتسع  لنا جميعا، وللبقرة، والبغلة، والقط الرمادي، والكلب، والدجاج ؟ أين كل ذلك الصخب الذي كان ؟ إن البناء في مكانه لا يزال، نعم، بحجره النظيف، وطينه، وخشب السقف، والركائز، والمذود.. لكن الملامح لم تعد هي الملامح، والمتانة لم تعد هي المتانة. أجزاء تهاوت، وأخرى آيلة للسقوط. وأين ذلك الباب الخرافي؟ والقفل الكبير؟ والمزلاج ذي الصرير المميز، الذي مازال يرن في أذني؟ في ليال الشتاء، والأب الغائب على الدوام، في الغربة، أو في معتقلات الاستعمار. تربط ـ جدتي وأمي، وأختاي الكبريين ـ  الحبل حول أكتافهن، وتجتهدن في جرّ جذع الشجرة اليابس من الحديقة  إلى وسط الدار، ثم تقربنه من طرفه إلى حافة الكانون شيئا فشيئا، لأنهن لا تقوين على قطعه، وهو يحترق رويدا مثل سيجار عملاق، حمله مارد إلينا، ثم ارتد إلى قمقمه. إنه يمد الطاقة للطهي، ومنه يسري الدفء إلى أوصالنا في برد الشتاء. كان هذا البيت دائما في انتظاري. ألعب، وأجري، وأتعب، ثم أنزوي. وتبدأ أمسية رخية، وأضع رأسي في حضن أمي، ويتسلل النوم إلى عيني، وأغيب في خدر لذيذ. في الصباح أستيقظ، وأمكث تحت دفئ الغطاء أتفرج. كنت أراقب إلى الباب البعيد، كيف ينسحب ظلام الليل، وأفرح. وأتابع نشاط أمي، وهي تعرك عجين الفطائر،  ويصلني صوت أساورها الفضية وهي تحتك في بعضها البعض مع الحركة المنتظمة، ومعه رائحة شياط الزيت، والقهوة، والحليب..

ولأنني جئت إلى الدنيا، بعد سلسلة من البنات، فقد توجتني العائلة ملكا على عرش الإناث كلهن.  لقد كن كلهن في خدمتي. يحملنني على ظهورهن ولا يذقن فاكهة أو حلوى قبل أن أشبع منها.. إلا واحدة. متمردة. لقد جئت بعدها مباشرة في الترتيب، وتكبرني بأربع سنوات، وكانت تدرس معي في الجامع. تقول لها أمي:

ـ امسكي بيد أخيك بقوة، ولا تدعيه يسير وحده، حتى تصلان إلى الجامع..

لكن الطفلة العنيد تلك لا تأبه لأحد. تشد على يدي، ونمشي لحظات بين الحواري، وفي الدروب الضيقة بين نبات التين الشوكي. وما أن تلتق برفيقاتها، حتى تنخرط معهن في اللعب، والضحك المجلجل، وتنساني، فأكمل الطريق بمفردي.. لم تكن تبال بشيء غير اللعب. وكانت لا تفوت فرصة، إلا وتعمد إلى تمريغ دلالي في التراب، والضرب بسلطتي عرض الحائط، والعرش، والصولجان. والخطير في المسألة كلها أنها راحت تستخف بصرامة ملك الملوك: أبي . كانت تتسكع في البيوت مع قريناتها، وتلعب، وتقفز، وفي المساء تنال العقاب. لكنها كانت تعاود، وتعاود. وذات يوم عند القيلولة، تلقفها الجبار من أمام الباب بعد عودتها من دورتها اليومية،  وحملها تحت إبطه، وربطها إلى ركيزة الدار. لفّ الحبل حول جسدها الضئيل من أخمص قدميها، إلى منبت العنق، وبإحكام، ثم استسلم للنوم. لكن الحياة سارت بعد ذلك، ودار الزمان دورته. وأتذكر الآن جيدا، يوم زفافها، حين غادرت البيت، وكانت في السابعة عشرة من عمرها، كيف عاد أبي إلى غرفته وراح يجهش في البكاء. وكان ذلك أمرا مفاجئا أخلط  جميع الحسابات في رأسي. لكنني سرعان ما ابتهجت في سري. قلت، هاهو الجبار ذاك قد أضحى بشرا مثلنا، يحب، ويحزن، ويبكي..

ـ 3 ـ

ذلك الجامع الصغير، على ربوة “تاحشاط” عجيب جدا. كل شيء في المكان ينطق عن أجواء، وحكايات، ووجوه. تلك الزيتونة في باحة الجامع، كم هو عمرها؟ لقد شهدت أجدادنا وهم أطفالا يتسلقون على أغصانها ويلعبون تحت ظلها. أنظر إلى جذرها الضخم وقد انبثق من تحت الأرض، وصار دكة يجلس عليها الناس. أتذكر عندما جلس ذلك المجاهد في يوم إعلان استقلال البلاد، تحت هذه الزيتونة، وعلى هذا الجذر، ونحن نحلق حوله، وراح يصنع لنا أعلاما من ورق الكرتون، ويثبتها على عيدان القصب، ويرسم عليها نجوما وأهلة. وذهبنا وراءه في صف منظم، لنحتفل بالحدث الكبير مع الجموع عند معصرة الزيتون  في أعلى القرية. يا لها من ذكريات. في هذا الجامع كنت أجلس في الصف الأول على الحصير. كان المعلم  “سي موح سليمان الخوجة” تأتيه والدته من القرية بقفة صغيرة كل يوم، فيها رغيف وحبات  تين جاف. يأخذ الرغيف ويقسمه إلى قسمين متماثلين.  ينحي قسما لنفسه جانبا،  ويقطع القسم الثاني إلى قطع صغيرة بعدد الطلبة، ويوزعها علينا، ويعطي لكل طالب حبة تين، ونجلس كلنا ونأكل. ثم نواصل الدراسة والحفظ.

وذلك الجامع الصغير، عزيزي القارئ، أخرج مئات المعلمين والأساتذة والإطارات. كتب إلي سي محمد العربي، منذ أيام (مدير مركزي بوزارة التربية سابقا) وكان طالبا بهذا الجامع خلال الخمسينيات، يقول:

“كان سي العربي ـ والدك ـ   شخصية فذة. كان يتمتع بفطنة نادرة، وبعد نظر. هل تعرف أنه أول من أدخل السبورة والطباشير إلى ذلك الجامع؟ وأول من فتح فيه قسما للبنات؟ نعم كان ذلك الجامع مدرسة مختلطة. ثم أنه كان يجتهد ويقرأ، ومنه أخذنا أول المعارف في التاريخ، والحساب، واللغة، والأناشيد الوطنية. وذات يوم من سنة 1956، والكلام مازال لمحمد العربي، وصلت سيارة عسكرية فرنسية، نزل منها شاب في زي مدني محاطا ببعض الجنود، وأمر بتفكيك السبورة، وجمع الطباشير والأدوات  والكراريس. وفي ذلك اليوم أخذوا المعلم معهم، وأغلقوا المدرسة، وانصرفنا نحن إلى البيوت. ولم تستأنف الدروس في الجامع مرة أخرى إلا بعد سنوات. ولم نعرف شيئا عن مصير المعلم “سي العربي”، إلا  بعد تسريحه من سجن سيدي شامي بوهران، بعد سنتين..”.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك