أصول الشر في التشبث بالمنصب

الفاعل مبني للمجهول

بقلم: الوليد فرج

 

القوى و مفاتيح الموازين السياسية، إنشاءً و سيطرةً و ترتيبًا و فقا للمصلحة ، هي الهدف الأول لممارس السياسية ، من أجل السيطرة على دواليب الحكم ، و أدوات السلطة، ولا معنى للقوى السياسية دون رمزية ، ولا معنى للرمزية، دون سلطة، و يعتري السلطة الضعف، إن فقدت مشروعيتها.

كثيرا ما ينبهر الملاحظ البسيط ، و يندهش من ثقافة الاستقالة من المنصب مهما كان مركزه ، كسلوك شائع في إدارة العالم الغربي ، مهما كانت الأسباب ، بل أحيانا يستقيل المسؤول لشبهة قد يبرأ منها ، ولم نسمع يوما أن مسؤول أُقيل من منصبه ، لأن أي لغط صغير، يدفع المسؤول إلى رمي المنشفة دون أدنى تردد ، وما شاع هذا السلوك إلا للحفاظ على رمزية سلطان الدولة ، الذي تعتبر ثقة المحكوم في الحاكم أُسَّه الوحيد ، فمتى تآكلت هذه الثقة ، تسربت كل الأمراض السياسية إلى الحكم ، وفسدت السياسة .

في مطلع عام 2012 ، قدم الرئيس الألماني كريستيان فولف الاستقالة من منصبه الرمزي ، لشبهة فساد تتمثل في قبوله قرضا من صديق له ، أيام كان حاكما لولاية ساكسونيا السفلى و بمجرد استدعائه من طرف النائب العام ، قدم استقالته ، قائلا ثقة الشعب تأثرت فيه على مدار الأسابيع الفارطة ، فكان عليه المغادرة فلا يمكن أن يقف أمام الإدعاء العام وهو رئيس .

 

إن هذا السلوك الحضاري في الانسحاب من السلطة ،  الذي تنبني عليه ثقافة إدارة شؤون الدولة ، بواسطة مؤسسات قوية تعبر فعليا عن إرادة الشعب ، من خلال رقابة ضمير أخلاقي مهني ، قبل الرقابة الشعبية و الإعلامية ، أو رقابة مؤسساتية دستورية ، وقد تكون من الأساطير سرد أسباب استقالة اللورد مايكل بيتس الذي قدم استقالته أمام مجلس اللوردات ، بسبب تأخره لبضع دقائق ، عن جلسة استجوابه في موضوع المساواة في الداخل . 

 

ولا يعتبر اليوم ، هذا السلوك النبيل حكرا على العالم الغربي الذي تجذرت فيه المدنية و الحكامة منذ زمن بعيد ، بعد ان دفع لها فاتورة باهضة من الجماجم و الدماء ، فبين الفينة والأخرى نشهد استقالة فعلية ، في عالمنا السياسي ، لاسيما في البلدان التي خطت شوطا في المدنية ، كاستقالة حسين الديماسي وزير المالية في حكومة حمادي الجبالي ، و الجميل في هذه الاستقالة تسبيبها بالفشل ، وذات يوم استقال حسين هزاع المجالي وزير الداخلية الأردني بسبب قصور في التعامل مع ملفات أمنية ، ومثله فعل زميله وزير التربية الدكتور تيسير النعيمي . 

المتأمل في هذه الاستقالات ، يجدها تصرفات فردية شخصية شاردة نادرة ، فكم هي أسباب الفشل في إدارة الشأن والعام و لم نسمع المتسبب فيها استقال ، بل أن الصفق بلغ بالكثير منهم الإقرار بفشله ، و رغم ذلك يبقى متعنتا متشبثا بالمنصب ، كأن حبلا صريا يشده إليه ، فهذا وزير الصناعة الجزائري ، يقر بلسانه أن الدولة لم تجد إلى جانبها في كارثة وباء كورونا عدا صيدال المؤسسة العمومية ، و وقوف صيدال و تسخيرها لإمكانيتها هو نافلة قول ، وفائض تصريح ، فأين باقي المؤسسات الناشطة في قطاعك يا معالي الوزير ؟ أم هي أقوى من سلطان الدولة الذي رخص لها بالنشاط وقدم لها التسهيلات ؟ إن هذا الإقرار من الوزير كان عليه بعد أن يكمله ، أن يردفه بتقديم استقالته ، فالوزير الذي يعجز عن تجنيد مؤسسات صغيرة في زمن حرب بيولوجية ، هو وزير فاشل ، ولو تجاوزنا له هذا التصريح ، فمنذ أكثر من نصف عام أنجز هذه الوزير دفتر شروط ، فكم يستغرق انجاز نسيج صناعي  ينهض بالتنمية الموعودة ؟ وهو الذي كان يملأ الدنيا صخبا ولا نسمع له اليوم ركزا ، و أتجاوز هنا بعض التفاهات التي نشرت عنه من طرف مناضلة تشيغيفارية جديدة ، وأظنها صادقة ، لأنها تجتمع مع تشي في الاختصاص . 

كان الأمل معلقا بعد الثورة البيضاء على حكومة ثورية فعلا ، تستكمل ما دعى إليه الشعب على مدار عام من مناكفة الفساد في مسيرات بلغ صداها أرجاء العالم ، فكان الشعب ينتظر ظهور سلوكات جديدة ، تنم عن الشفافية و محاربة كل أشكال الظلم و الفساد ، و البيروقراطية و المحاباة و التعسف ، غير أننا لاحظنا العكس ، حكومة فاشلة رديئة ، بخطاب أجوف ، و تصرفات رعناء لا تمت الصلة بالمسؤول السامي ، بل منها من تحدى الرئيس في قراراته وما فعلته وزيرة الثقافة مزال شاهدا ، ففي حين كان الرئيس يأمر وزيره الأول بتحضير مرسوم قانون ، من بين ما تتضمن أحكامه محاربة الجهوية ، كانت وزيرة الثقافة تنصب إبن وجهتها مستشارا ، فلم تمهل حبر أمر الرئيس أن يجف و تتوالى بعدها سقطاتها ، آخرها مجازفتها بتنظيم نشاط ، كادت من خلاله ان تجازف بحياة وفود من شتى ربوع الوطن ، لولا تدخل جهة أعلى بإلغاء هذا النشاط المنافي و المناقض للتنظيمات و القوانين الحاكمة و المسيرة لهذا الظرف ، و فضيحة شبهة انتحال عنوان المجلة الوزارية مزال صداه يتردد في اليمن و ما جاوره ، ورغم ذلك مازالت تشغل المنصب دون أدنى تأثر ! 

هنا لا يمكننا الاستشهاد باستقالة وزير العمل و الضمان الاجتماعي مؤخرا ، لأننا لم نصل إلى الأسباب الحقيقة لاستقالته ، ويبقى التكتم المريب عن أسبابها ، يدفع إلى التصديق بما يشاع حولها ، ولو صدق ذلك فعلى الدنيا ومن فيها السلام.  

إن العيب لا يلحق بالفاشل الذي يقر بفشله ، فيفسح الطريق لغيره ،عسى أن ينجح فيما فشل فيه هو، بل العار في الفاشل الذي يصمم على فشله ، و يقبع في المسؤولية يُجّذر فشله ، إنه من الحكمة تلقى صدى الرأي العام ، و النزول عنده ، فكثيرا ما يعبر عن الإرادة العامة للشعب ، فلو كنا أمام مسؤولين يحكمون في قطاعاتهم ، لم نعش أحداثا مزرية فاعلها مبني للمجهول و استقالات دون تسبيب ، و إقرار بالفشل دون إقالة أو استقالة ، و أغلاط في التسيير تجازف بحياة الشعب دون عقوبة ، إن سلطان الدولة المؤسس على الثقة بين الحاكم و الشعب يرفض هذه الرعونة و الطيش ، ويبعث على تغيير هؤلاء الفاشلين . ويبنى الفعل ويسمى فاعله.  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك