أسلوب جديد لمعالجة قضايا البيئة الشائكة

محددات الإعلام البيئي

بقلم / إبراهيم سلامي باحث واعلامي

 

استأثرت قضايا البيئة للمعاصرة اهتمام النظام العالمي الجديد، و أصبحت من أهم القضايا التي يعاني منها العالم اليوم، وازداد القلق العالمي المشترك بشأن الكرة الأرضية التي أصبحت مهددة و ملوثة،و ذلك عندما أسهم الإنسان بشكل سلبي فيها، من خلال استغلاله السيئ  للموارد البيئية ،و ممارسته الخاطئة اتجاهها و إدخاله التلوث بأنواعه المختلفة على البيئة ،وهو ما تعاني منه كل المجتمعات الصناعية و النامية، وذلك نتيجة النشاط الصناعي المتزايد على البيئة الطبيعية، الذي ترتب عنه آثار ضارة على الكائنات الحية و عناصر البيئة.

ومع زيادة الضغوط الاجتماعية و الاقتصادية على البيئة وعناصرها خلال نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد و العشرين، على المستوى الإقليمي، وعبر وطننا العربي وفي العالم بشكل عام، ازدادت الحاجة إلى إكساب الأفراد والجماعات  الخبرة والدراية الكافيتان بعناصر و مكونات و قضايا و إشكاليات البيئة،و فهم العلاقة التأثيرية المتبادلة بين الإنسان و بيئته، وتقدير قيمة المكونات  البيئية  الأساسية المحيطة،والتعرف على المشاكل و الإشكاليات البيئية، والتدرب على حلها ومنع حدوثها، وتجنب الوقوع في الكوارث البيئية أو ذات الصلة قبل وقوعها و ما يترتب عليها من أزمات اجتماعية أو اقتصادية، أو سياسية في بعض الأحيان، ومن هذا تأتي مهمة التوعية البيئية في تغيير سلوكيات الأفراد و طريقة تعاملهم مع البيئة التي يعيشون عليها.

          فما آلت إليه البيئة و ما حل بها في أواخر القرن الماضي، عجل ببروز ما يسمى بالإعلام البيئي بوسائله المختلفة، المقروء ة و المرئية و المسموعة، من صحف يومية ومجلات عامة ومتخصصة و قنوات إذاعية و تلفزيونية، والتي تعد من أهم الوسائل التي تؤدي دورا هاما في تنمية الوعي بقضايا البيئة ومشكلاتها، وتعميق شعور المواطن بواجباته و مسؤولياته تجاه البيئة، ونشر مفاهيم التنمية المستدامة، خاصة بعد تزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على البيئة ومكوناتها و عناصرها، وتزايد حاجة المجتمعات إلى الأخبار البيئية ومعرفة تأثيرات الكوارث وحوادث التلوث البيئي والتغيرات المناخية على الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية.

محددات الإعلام البيئي

يقصد بهذه المحددات مجموعة العوامل التي  تؤثر على التناول الإعلامي لقضايا البيئة و التي ينتج عنها أسلوب معينا  في معالجة هذه القضايا، قد لا يكون بالضرورة متفقا مع الدور المطلوب من الإعلام في هذا المجال،و هي عوامل قد يتعرض لها الإعلام بصفة عامة في تناوله لأي موضوع من الموضوعات و ليست قاصرة على الإعلام البيئي فقط وهذا ما جعل علماء الإعلام و الاتصال ينبهون إلى ضرورة دراسة النتائج المطلوبة و النتائج غير المطلوبة للأداء الإعلامي سواء كانت كاملة أو ظاهرة و من هذه المحددات ما يتعلق بالهدف من العملية الإعلامية أو بالجمهور المستهدف أو بالوسيلة الإعلامية المناسبة طبقا لنوع الجمهور المستهدف و هذه الدراسة الإعلامية أو القائم بالاتصال الذي ينبغي أن يتمتع بمصداقية لدى الجمهور…..الخ، و على العموم قد تكون هذه المحددات سياسية أو اقتصادية أو إعلامية 

أولا- المحددات السياسية : تؤثر العوامل السياسية تأثيرا كبيرا في تطرق الإعلام لقضايا البيئة و ذلك نتيجة للعوامل التالية:

1_ أن الاهتمام الإعلامي الواضح بقضايا البيئة مرتبط بالسياسة الإعلامية لكل دولة و مدى توافقها مع نشاط وسائل الإعلام كما أن نمط الملكية الإعلامية لوسائل الإعلام يلعب دورا في هذه العملية و يرتبط هذا الإهتمام أيضا بمدى فعالية الجمعيات غير الحكومية و التي تحول بعضها فيما بعد إلى أحزاب سياسية كما حدث في فرنسا و ألمانيا.

2_ إن درجة تسييس القضايا البيئية قد بات واضحا على المستوى الوطني و هو ما ظهر واضحا في برنامج المرشحين للانتخابات التشريعية و الرئاسية في العديد من دول العالم كمجموعة الدول الصناعية الكبرى و على المستوى الدولي خاصة بعدما أشار جورباتشوف إلى خطورة قضايا البيئة على استمرار البشرية في كتابه الشهير البروسترويكا و يمكن القول بأن التناول الإعلامي لبعض قضايا البيئة قد تأثر بالصراع الإيديولوجي خلال الفترة الأخيرة من الحرب الباردة فقد كانت التغطية الإعلامية الغربية لحادث انفجار مفاعل تشرنوبيل تحمل في طياتها رسالة إعلامية جوهرها ضعف الأداء العلمي السوفياتي و عدم قدرة السوفيات على تطوير التكنولوجيا المستخدمة في المفاعلات النووية.

3_ الاختلاف في الرؤى بالنسبة لقضايا البيئة بين الدول الصناعية الكبرى و دول العالم الثالث الأمر الذي كان له تأثيره الواضح على درجة الاهتمام التي أولاها الإعلام لهذه القضايا بين دول العالم فبينما تعد مثلا قضية دفن النفايات الكيماوية السامة و النفايات النووية في أراضي دول العالم الثالث هي القضية الهامة بالنسبة لهذه الدول على سبيل المثال فإن قضية تخفيض درجة تلوث الهواء بغاز ثاني أكسيد الكربون هي القضية الأهم لدى الدول الصناعية الكبرى.

ثانيا_المحددات الاقتصادية:

يلعب العامل الاقتصادي دورا كبيرا في تناول و دراسة القضايا البيئية و لا سيما في العلاقة بين الدول النامية و الدول الصناعية الكبرى أين بدأ تأثير العوامل الإقتصادية جليا على المعالجة الإعلامية لقضايا البيئة بسبب الحساسية السياسية و المصالح الإقتصادية بين دول الشمال المصنعة و دول الجنوب النامية التي لا تزال برامجها الصناعية التنموية في إطارها الأول و في هذا الصدد يظهر دور الشركات المتعددة الجنسيات في المجال البيئي حيث تهيمن هذه الأخيرة على 70 من التجارة العالمي و 80 من الإستثمارات الخارجية و تتحكم في نقل الغزات المسببة للتغيرات المناخية و قد فطنت ه\ه الشركات مبكرا إلى الخطورة التي يمكن أن تلعبها وسائل الإعلام في تهديد مصالحها بالكشف عن أدوارها البشعة في تلويث البيئة من خلال الحملات الإعلامية الجادة ل\لك عمدت ه\ه الشركات إلى إنشاء مكاتب للعلاقات العامة في كافة أنحاء العالم تعمل على إستقطاب رجال الإعلام و تحويلهم إلى أدوات دعائية.

ثالثا_ المحددات الإعلامية:

 

من المعروف أن الموضوعات البيئية تستلزم درجة معينة من العلم و الثقافة كي يستطيع الإعلامي إستيعابها أولا و التعبير عنها ثانيا في شكل رسالة إعلامية. كما أن إعداد هذه الرسالة يتطلب توفر درجة معينة من المهارة الإعلامية لدى القائم بالإتصال ،حتى يمكن فهمها و إستيعابها من جانب المتلقي، وجعله مشاركا فعالا في قضايا البيئة، وهو الهدف النهائي لصحفي البيئة الذي لا يهتم بنقل الخير،و إنما يجعل البيئة من أولياته و إهتماماته، إيمانا منه بأن الحفاظ عليها هو الحفاظ على الحياة و المستقبل.

في الأخير ورغم ما تم تسجيله من سلبيات إلا أن وسائل الإعلام كانت دائما في الواجهة، حيث لعبت دورا كبيرا في تقوية إهتمام الجماهير بقضايا البيئة،و من ناحية أخرى،لعب إهتمام الجماهير بقضايا البيئة دورا هاما في تحريك الإعلام للإهتمام بهذه القضايا،و يحسب للإعلام دوره في الضغط على الحكومات في بعض الدول الإفريقية التي تعرضت للجفاف الشديد في السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك