أسقاس أمقاز بشكل آخر

مفارقات

بقلم: احسن خلاص

لم تكن حركية التاريخ جامدة ومتوقفة عند مرحلة من المراحل مهما كانت قداستها بل هي حركية تراكمية بامتياز إذ أن الموروث الإنساني سواء كان أسطوريا قديما أو دينيا أو فكريا يخضع كله لمنطق التطور التاريخي والتراكمية في الميراث الثقافي الإنساني. وقد أبدعت الشعوب منذ الزمن الغابر طرقا للتفاعل مع الزمن الذي يشعر به الإنسان دون أن يجد له قياسا ليستفيد منه ومن هنا ظهرت قياسات زمنية مرتبطة بالأساطير والآلهة كما تطور النظر على الزمن ليرتبط بما هو ثابت لا يخضع للتطور فاهتدى إلى الحساب الشمسي والقمري.

اهتدت شعوب جنوب البحر المتوسط إلى أن زمنها لا يمكن أن يرتبط في الأساس إلا بالأرض خلافا للشعوب الأخرى التي اختارت السماء لتهتدي بها وتعلم بها عدد السنين والحساب كما جاء في القرآن الكريم والذي ارتبط أساسا بالرزنامة والتفاعل مع ظواهر فلكية أو بظواهر طبيعية مرتبطة بالتغيرات المناخية وتأثيرها على القيام على النشاط الزراعي طوال سنة كاملة. 

وقد يحدث أن تنسج حول الأشهر والفترات الطبيعية أساطير مثل ما يسمى عند المجتمعات الزراعية الأمازيغية ب”أمرضيل” وهو عنوان أسطورة تواترت لعجوزة دفعها فرحها بانقضاء يناير إلى الغرور والتحدي والخروج من منزلها لترعى غنمها وتقضي حوائجها في يوم مشمس هو الأول من فورار (فبراير) فانتاب يناير غضب شديد من العجوزة وطلب من فورار أن يعيره يوما من أيامه لينتقم من العجوزة المتعجرفة الجاحدة وهو سر احتواء يناير على واحد وثلاثين يوما بدل الثلاثين. وأمرضيل هو اليوم المستعار.

ويشكل الحساب المرتبط بالمناخ والأرض إحدى مواضع العبقرية التي كان يتميز بها سكان جنوب البحر المتوسط في جانبه الغربي وهو منطقة الشمال الإفريقي وهو الموروث الذي لا يكاد يذكر في الأدبيات الثقافية والسياسية ولا نجد له تثمينا ولا تعقد بشأنه ندوات فكرية لشرحه شرحا وافيا يفيد الأجيال ويربطها بحساب أمازيغي عريق كان يمكن للأجيال أن تقتله بحثا ودراسة وتطور مخرجاته لكي يستفيد منه العالم الحائر الباحث عن الحلول لمعضلة التغيرات البيئية والمناخية. ويحق للأجيال أن تفتخر بأن أجدادها كانوا أول من أولى الكرة الأرضية أهمية قصوى فجعلها مرجعية للحساب ومنح أهميته للمناخ الذي صار اليوم من القضايا التي تتصدر اهتمامات العالم.

كان علينا أن نصرف طاقاتنا واهتماماتنا إلى هذا الموروث الحضاري العريق، لنفيد به العالم ونستفيد به لدعم منظومتنا الفلاحية ونبحث في ما إذا كان للاحتباس الحراري دور في تحور الرزنامة الفلاحية الأمازيغية أو يمكن أن نجد فيه تفسيرا للتغيرات المناخية انطلاقا مما قد تجود به هذه الرزنامة من إيحاءات. وكان علينا كذلك أن نهتم بسبب الاحتفال برأس السنة الفلاحية المناخية ولماذا يطعم الطعام على التقاليد الاحتفالية ذاتها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ولماذا لم يجد من كان يحتفل به وهم السواد الأعظم للجزائريين حرجا في أن يسموه عام الأمازيغ أو عام العرب لتمييزه عن عام الإفرنج والنصارى؟ 

هذا غيض من فيض مما كان يمكن أن نعلمه ويفتح فيه النقاش العام ونتبادل بشأنه المعطيات المحلية لولا أن دخلت السياسة لتجعل من يناير مادة لها قبل أن تفسده كما أفسدت كل شيء. لقد دخل يناير حلبة الصراع السياسي من اليوم الأول الذي انطلق فيه مطلب الاعتراف السياسي بالهوية البربرية عند سلطة اتخذت من العروبة منهجا وإيديولوجية من إيديولوجيات الحكم. فإلى جانب النضالات السياسية التي كان مسرحها الشارع والجامعات والثانويات وجد من كان يبحث من وراء الستار عن إبراز الهوية الأمازيغية في إرثها اللغوي والثقافي من جانب وعمقها التاريخي والحضاري من جانب آخر ليتشكل المطلب ككل متكامل لا يقتصر على تعليم واستعمال اللغة فقط بل يتجاوزه إلى نفض الغبار عن الأثر المادي والمعنوي منذ آلاف السنين. ومنذ إنشاء المحافظة السامية للأمازيغية ظل مطلب اعتبار يناير يوم عطلة مدفوعة الأجر في صدارة الانشغالات من منطلق أنه عامل من عوامل توحيد الجزائريين في ظل التنوع وهو ما تم عام 2017 وشرع في تنفيذه في يناير 2018.

وقد طرحت فكرة العلم بعدد السنين على الباحثين لاسيما المحيطين بالأكاديمية البربرية الذي انتهى بحثهم إلى أن التقويم الفلاحي يعود إلى الزمن الغابر ورجحوا أن يعود إلى تولي الغازي البربري الليبي شاشناق لمصر الحكم فيها لأول مرة منقلبا على رمسيس الثالث حسب السردية التي اعتمد عليها هؤلاء قبل أن تظهر سرديات أخرى بعضها ينفي وجود رجل في التاريخ اسمه شاشناق وبعضها الآخر ينكر عليه أصوله البربرية ويعتبره أحد الفراعنة المصريين الذين تداولوا على حكم هذا البلد ضمن السلالات الفرعونية. والكل يحاول أن يحشد ما طاب له من الحجج لتأكيد حقيقته المطلقة وإنكار حقيقة الآخر. غير أن المميز هذه المرة أن هناك من اتخذ للمحاججة طرحا لباحث مصري امتزج حديثه السياسي باستدعاء وقائع تاريخية يقول إنها مؤكدة. ومع أن الحديث عن شاشناق يعود إلى عشرات السنين إلا أنه اختار لحديثة مناسبة للرد على تنصيب تمثال لشاشناق وسط مدينة تيزي وزو داعيا وزارة الثقافة المصرية للتدخل لاسترجاع شاشناق المصري من منطقة القبائل. 

ولأن الصراعات السياسية توقد النيران بكل أنواع الحطب فقد ركب الموجة السياسية باحثون ومؤرخون كما خرج عن صمتهم رجال دين سكتوا دهرا عن قضايا لا تقل أهمية عن إصدار فتوى تحريم الاحتفال بيناير كما حدث مع شيخ السلفيين المدخليين في الجزائر محمد فركوس. وفي انتظار انصراف السياسيين ورجال الدين عن الموضوع فإن الأجيال الباحثة في التاريخ والانتربولوجيا والمهتمة بتطور العلوم والتكنولوجيا في مجال التطورات البيئية والمناخية تبقى أمامها الطريق طويلة لفهم عمق العام الأمازيغي العربي الجزائري.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك