أزمة “الجار السيء” والمقاربة الجزائرية لإدارة الأزمة

التدخل العسكري التركي في ليبيا

* هل الأتراك حُماة أو غُزاة؟

 

أ/ أوصيف بلال باحث دكتوراه في العلاقات الدولية

 

تراجع مفهوم “القوة الناعمة ” soft power في السنوات الخمس الأخيرة على الأقل مع تغير دور ومبدأ الفواعل من القوى الرسمية وغير الرسمية بين التصعيد والتهدئة في عملية تسوية وإدارة الأزمات التي تعيشها الدول الهامشية، الأمر الذي فتح المجال لبروز التدخلات الأجنبية المادية للفواعل الفوق وطنية في شؤون الدولة القطرية التي تُعاني تصدّعات في تكوينات الدولة عمومًا، كما إنّ التدخلات العسكرية باسم الحمائية والانسانية من قبل القوى الكبرى باتت المشهد الأبرز خاصة في دول ما بعد “الربيع العربي” التي أصبحت بؤر حقيقية على غرار سوريا وليبيا ومساءلة الانتقائية في التدخل العسكري من قبل مجلس الأمن الدولي بين البلدين المذكورين.

 

قراءة في خلفيات الموقف التركي

إنّ التدخلات العسكرية في ليبيا تزامنت مع بداية ثورة 17 فيفري 2011 أين أعلن مجلس الأمن الدولي على التدخل عسكريا في ليبيا بقرار أممي 1970و 1973 وبطلب من جامعة الدول العربية وبتزكية قطرية ومصرية وإمارتية ومباركة سعودية. فالقرار أثار رفض الجانب التركي الذي دعا الى الحل السياسي لتنحية القذافي بدلا من التواجد العسكري في ليبيا وهو ما لم يلقَ أي تأييد من القوى الكبرى التي تدخلت وأسقطت النظام وعاثت في الأرض فسادا بعد العجز الاقتصادي وفشل الانتقال الديموقراطي في ليبيا بعد 10 سنوات من تاريخ الثورة الليبية الى جانب الفوضى وعدم الاستقرار السياسي وعضلة تواجد حكومتين وبرلمانين في الشرق والغرب، فضلاً عن إشكالية تضاعف نشاط “القاعدة” والجماعات الإرهابية المتطرفة في ليبيا التي وجدت فيها أرضية خصبة للتغلغل والانتشار في إفريقيا.

 

الورقة الحفترية ضد تركيا

 

جاء طلب حكومة فايز السراج بالتواجد التركي العسكري في ليبيا من أجل الإطاحة بخليفة حفتر وقواته في الشرق الليبي وانهاء المخاوف والتهديدات من دعاة الانقسام الليبي مناطقيًا، غير أنه ينبغي التأكيد أن إسطنبول ستُدافع عن مصالحها الجيواستراتيجية والاقتصادية في ليبيا بعد معمر القذافي وفي المنطقة عموما وتعمل على تأمين استثماراتها التي انطلقت مع قدوم حزب العدالة التنمية التركي بقيادة رجب الطيب أردوغان إلى الحكم سنة 2002 وفق سياسات التوسع الاقتصادي والحد من سياسات “تركيا الى الداخل”، كما أن التدخل العسكري التركي في ليبيا أثار حفيظة عدة دول تستهدف الى تقسيم ليبيا و الاستثمار في مشاكلها وهشاشة بنيتها الاقتصادية، السياسية و الأمنية خاصة من أجل توسيع دائرة النفوذ السيطرة ومن بينهما روسيا، مصر، الامارات والسودان التي دفعت لدعم مادي ومالي لخليفة حفتر لترجيح الكفة لصالحه قبل التواجد التركي ذو الأهداف الخفية و المعلنة.

 

الغموض والضبابية

 

والأمر الأكيد أن الغموض والضبابية تكتنف مساءلة إن كان تواجد الأتراك في ليبيا عسكريًا كونهم حماة أو غزاة، خاصة في ظل الأرواح الليبية التي تسقط يوميًا بأسلحة أجنبية وبتموين خارجي ، وفي حقل العلاقات الدولية تتكرّس مقولة “لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، إنما المصالح دائمة”، فالمصلحة هي من تحكم وتضبط الدول وتُحركهم من أجل حفظ الأمن الدولاتي عموما، فالمخرجات التركية لصانع القرار بإسطنبول يتصرف وفق سلوك الرجل الاقتصادي في السوق من خلال محاولة تعظيم المنفعة والظهور بثوب البطل والمنقذ في سوريا وليبيا، فالتدخل العسكري التركي جاء كرد فعل  على مجلس الأمن و الدول الخمسة التي ساندته وصادقت عليه بالإجماع وهي روسيا، فرنسا بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية والصين الاشتراكية وكذا بتهليل من دول عربية خاضعة.

إنه من الخطأ التهليل للتدخل التركي العسكري الذي كان بالأمس القريب مع الحل والتسوية السلمية السياسية للأزمة الليبية، على اعتبار أن الاقتتال والحرب الأهلية الدائرة بالوكالة في ليبيا حاليا تُدار وفق أجندات خارجية والضحية الأولى والأخيرة هي الشعب الليبي، كما أن الصراع القبلي في ليبيا يُحاك بأجندات فوق وطنية هدفها الذهاب بليبيا الى ما آل اليه السودان المُقسم، كما أن تركيا ترغب في المنافذ البحرية في شمال افريقيا بحثا عن مخارج جديدة لبعث وحجز موقعها في مصف الدول الكبرى وهي التي تحتل المرتبة التاسعة عسكريا على المستوى العالمي.

 

المصالح فوق كل اعتبار

 

الأمر الأكيد أن تركيا تحمل مصالحها فوق كل اعتبار في ليبيا ومن أماني الدول المتحالفة مع خليفة حفتر أن تطول الأزمة الليبية أكثر من أجل استغلال الوضع المتردي لتعظيم المصلحة وحفظ الامتيازات وغنائم الحرب الدائرة في ليبيا بالوكالة، وتهدف تركيا في غضون السنتين القادمتين على أقصى تقدير على العمل وفق “الاستراتيجية العثمانية الجديدة”، وهي الأطروحات التي صاغها داود أوغلو وجاري العمل على تنفيذها من خلال بعث مفهوم العمق الاستراتيجي للدولة العثمانية من جديد في الدول العربية والإسلامية والعمل على استرجاعها وحماية مصالحها بها تزامنا مع الذكرى الـ100 لتأسيس الجمهورية التركية عام 2023 المقبل، فلا وجود للصدف في العلاقات الدولية، فسلوك الدول في الآلفية الثالثة تُحركها الأيديولوجيات والجدلية التاريخية. إضافة الى هذا كيف نُفسّر التدخل العسكري التركي في سوريا وليبيا فقط دون تدخله في الأزمة اليمنية مثلاً؟ أين دوره الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية؟ ينبغي التطرق في هذا الصدد الى أنّ المشروع التركي الحالي يتمثل في استعادة أقاليم الدولة العثمانية المنهارة قبل قرن من الآن وفق استراتيجيات ناعمة وأخرى خشنة ان لزم الأمر ذلك.  

الزعامة الإقليمية لمنطقة شمال إفريقيا

 

إن مساءلة الزعامة الإقليمية لمنطقة شمال افريقيا وتبني زمام القيادة بها أصبح محل صراع بين بعض الدول الساحلية نتيجة اختلاف استراتيجيات إدارة الصراع القبلي في ليبيا، خاصة وأن بعض الدول من شمال افريقيا من خارج الدول المغاربية تسعى الى تبرير اخفاقاتها الداخلية الوطنية وفشل مشاريعها التنموية وافلاسها الإقليمي في القرن الافريقي إلى تصدير الأزمات الى خارج قطرها الوطني بما لا يمت أي صلة لمبدأ الجوار.

إنّ “الجوار السيئ” لليبيا في الوقت الراهن بات أكثر رقم يُعرقل معادلة مشروع الانتقال الديموقراطي في ليبيا وأكبر تهديد لأمنها الوطني، فمبدأ الجوار لم يُحترم اطلاقا من قبل بعض الدول العربية المتدخلة عسكريا في ليبيا بإيعاز واملاءات من الدول الأجنبية أوروبية وأسيوية، فالتمايز والاختلاف القبلي في الاتجاهات الأربعة لليبيا بات الملاذ الأول لها لإبقاء الأزمة الليبية تراوحُ مكانها لتواصل النهب ومكسب الغنائم وهذا هو الأهم لهم.    

 

المقاربة الجزائرية

 

وتبقى المقاربة الجزائرية في تسوية الأزمة الليبية في إطار سياسي سلمي من خلال تبني الحوار الليبي الليبي بعيدا عن التدخلات الخارجية وانهاء التشرذم القبلي الداخلي، وتبني الاقتسام السلطوي للقيم بين القبائل الليبية لإنهاء مخاوف الانقسام الجغرافي والطاقوي، هي الخيار الأنسب في الوقت الراهن وفي اطار مغاربي من خلال التقارب الجزائري التونسي الليبي و المغربي دون اقصاء الطرف المصري من خلال الوقوف على مسافة واحدة من الأطراف المتقاتلة في ليبيا ، فالجزائر هي البلد الوحيد تقريب في المنطقة الذي ليس مع أي طرف من أطراف الصراع في ليبيا كما أنه مع الخيار السياسي منذ بداية الأزمة شهر نوفمبر 2012 وبروز إشكالية مأسسة السلطة وظهور أولوية الحكم في ليبيا، فكل المتغيرات تؤكد على أنه لا حلّ أو إدارة للأزمة الليبية من دون الجزائر هذه الأخيرة المجبرة وغير المُخيّرة على تحرّك مع الأطراف الليبية أكثر تكثيف النشاطات لضمان أمن المنطقة عمومًا.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك