أزمة الإعلام، من أين وإلى أين؟

كيف السبيل إلى الاستقلالية والاحتراف

بقلم: احسن خلاص

عاد وضع الإعلام في الجزائر هذه الأيام إلى واجهة النقاشات العامة بمناسبة إعلان وزير القطاع عن فتح ورشات للنقاش بين الخبراء والفاعلين في الحقل الإعلامي تكون بدايتها بتناول واقع وتطوير الصحافة الإلكترونية، تضاف إليها الورشات التي شرع فيها التلفزيون العمومي من أجل تحسين أدائه الإعلامي للانتقال بهذه المؤسسة من الخدمة الحكومية إلى الخدمة العمومية، وفق ما جاء على لسان القائمين على هذه الورشات، كما أعاده وضع المدير العام لمجمع النهار الإعلامي تحت الحبس الاحتياطي بتهم تتعلق بقضايا لا صلة مباشرة لها بالممارسة الإعلامية إنما هي قضايا فساد وتهريب للأموال واستغلال للنفوذ.

وقد تحدثنا في مقال سابق وأشرنا إلى أن الإعلام على ما هو عليه اليوم من أزمة ثقة تتعدى حاجته مجرد إجراء رتوشات وتصحيح أخطاء وتوفير ظروف إعطائه نفسا جديدا لتطوير أدائه كما توهمنا الندوات التي فتحتها الجهات الرسمية هذه الأيام، كما أشرنا إلى أن الأمر يحتاج إلى ثورة أخلاقية عميقة وعملية تطهير للقطاع من الدنس الذي لحق به منذ عقود، ولا أخال أن الأمر من شأن الحكومة وحدها بل هو قضية وطنية تحتاج إلى الإرادة والجرأة اللازمتين اللتين لا يمكن توفيرهما إلا بوفاق بين الدولة والمجتمع وبمصارحة حقيقية حول الأسباب التي تقف وراء وضع لا ينفع معه الإصلاح.

سنحاول هنا أن نقف على بعض هذه الأسباب التي تراكمت لعقود من الزمن بتناول السياقات التاريخية التي تطور فيها الإعلام في الجزائر وكيف كان هذا التطور وليد مؤثرات خارجية غير طبيعية.

 

نهاية أحادية أم بداية تعددية

في ظل التفتح السياسي الذي باشره التيار الإصلاحي لحزب جبهة التحرير الوطني عام 1990، انطلق رئيس الحكومة مولود حمروش في الإعداد لعهد جديد من التعددية السياسية والجمعوية والإعلامية من خلال التفتح على “الحساسيات المختلفة” في المجتمع لاسيما القوى الجديدة التي ظهرت على أنقاض الحرس القديم للحزب الواحد.

ولأن النظام في عهد الحزب الواحد دأب على تنمية صحافة متعددة في ظل الوحدة بنشأة اتجاهين رئيسيين لا يلتقيان دائما حول الرؤى والأهداف ذاتها وهما صحافة الحزب وصحافة الحكومة، فإن الصحافة التعددية التي شجع حمروش على إنشائها وجدت رسمها مهيئا وهو ما يفسر أن الصحف الخاصة التي نشأت، مثل “الوطن” و”ليبرتي” و”لجون أنديباندا” و”لسوار دالجيري” و”لاتريبين” خرجت من رحم الصحافة الأحادية من منطلق أن الذين أنشأوا الصحف الجديدة أنما كانوا صحافيين يشتعلون في الصحف العمومية التي لم تشذ هي بدورها عن القاعدة التعددية فقد كان الاختلاف بيّنا بين خطي “الشعب” و”المساء” وبين “المجاهد” و”أوريزون” بينما كانت أسبوعية “الجزائر الأحداث” متفتحة أكثر إلى ما كان يسمى آنذاك بالتوجه الليبرالي مقابل صحافة الحزب التي ظلت تدافع عن الخيارات الاشتراكية إلى آخر نفس لها مثل “المجاهد الأسبوعي” و”الثورة الإفريقية” وصحافة المنظمات الجماهيرية مثل “الوحدة” لاتحاد الشبيبة و”الثورة والعمل” لاتحاد العمال.

لقد كانت الصحافة في بداية عهدها بالتعددية توجيهية نحو هذا الخيار أو ذاك تماما كما كانت منذ أول قانون للإعلام عام 1982 الذي نص على أن حرية الإعلام مضمونة في إطار مبادئ إيديولوجية الدولة، وكان الدعم الذي تتلقاها الصحف لضمان سيرها مرتبطا بمدى قدرتها على تجسيد خيارات هذا التيار أو ذاك فكانت الصحافة التي أنشأها رئيس حكومة الإصلاحات حتى قبل صدور قانون الإعلام الجديد مدعوة لمرافقة الحكومة وإقناع الجزائريين الذين ألفوا الخطاب السياسي الاشتراكي الأحادي بالتأقلم مع إصلاحات ليبرالية جديدة مروجه لاقتصاد السوق ولدور جديد للدولة وهو ضبط التوازنات السياسية والاقتصادية.

وبالمقابل أنشأ الصحافيون أول تنظيم مهني سمي حركة الصحافيين الجزائريين مهمته حماية “المكتسبات الجديدة” وعلى رأسها حرية التعبير واستقلالية الصحافة بينما أنشأت السلطة المجلس الأعلى للإعلام مكان وزارة الإعلام التي كانت قائمة في عهد الحزب الواحد قبل أن يتم حله في أكتوبر 1993 بعدما دخلت الجزائر وضعا جديدا تراجعت فيه الحريات بشكل عام بسبب الأزمة الأمنية ودخلت الصحافة ضمن “مهام جديدة” طغى عليها التوجيه الأمني.

وقد دفعت مهنة الصحافة في سبيل مواجهة العنف المسلح والإرهاب ما يقرب من 60 ضحية لعمليات اغتيال فردية وتفجيرات دفعت منها الصحافة الفرانكفونية الخاصة النصيب الأكبر إلى جانب التلفزيون العمومي.

وفي ظل الأزمة التي مرت بها الجزائر خلال “العشرية السوداء” لم تعد الصحافة منقسمة بين دعم الخيار الليبرالي الجديد والمحافظة على الخيار الاشتراكي كما كانت من قبل بل دخلت في خارطة جديدة صارت تميز بين “صحافة استئصالية” وصحافة مرافقة لتوجه الحوار والمصالحة الوطنية. وقد أثر هذا الانقسام السياسي على أدائها الإعلامي الاحترافي تماما كما أثر على علاقتها بالجهات الأمنية ولاسيما المخابرات التي اقتحمت المجال الإعلامي بشكل لم يسبق له مثيل وتحكمت فيه بدواعي إشراك الإعلام في معالجة الأزمة الأمنية ومرافقة الجدل القائم بين الحل الأمني والحل السياسي.

لقد كان دور الصحافة في مرحلتها الأولى الممتدة إلى غاية نهاية القرن الماضي، بالرغم من تعدديتها اللغوية والفكرية والسياسية، هو أن تعكس الصراعات التي كانت تدور داخل دوائر اتخاذ القرار حينا وبين الأطراف السياسية المتنازعة حينا آخر. وكانت قبضة الأجهزة الأمنية سيدة الموقف، تعز من تشاء وتذل من تشاء وفق معيار للنظر إلى الصحافة لم يخرجها إلى اليوم من منطق “إذا لم تكن معي فأنت بالضرورة ضدي”، وهو معيار أبعدها دوما عن الموضوعية والدقة وممارسة حريتها كاملة. وللحديث بقية.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك