أدوار خطيرة في وطننا العربي

جواسيس

بقلم: صالح عوض

لكي تكتشفهم.. ليس بالضرورة أنك تمارس مهمة أمنية.. فسواء كانوا مثقفين أو سياسيين أو فنانين أو رجال دين يكفي فقط أن تلاحظ مواقفهم من عناوين أمتك: فلسطين ووحدة الأمة ونهضتها.. انتبه!! إن هذه هي دائرة كشفهم، ولتعرفنهم في لحن القول عندما يتحدثون عن هذه القضايا.. فهل يكون من أبناء الأمة من يتطوع لخيانة فلسطين لصالح عدو الأمة ويدفع أموالا في ذلك؟ وهل من أبناء الأمة من يقوم بتدمير بلاد العرب في العراق والشام واليمن وتشويه الإسلام وحرفه متطوعا بلا تردد؟ هل من أبناء الأمة من يعمل على تفرقتها بكل الوسائل ويشحن بعضها على بعضها؟ هل من أبناء الأمة من يحاول شراء بيوت في القدس ليقدمها للصهاينة؟ 

لم يكن لورانس العرب أو إيلي كوهين بدعا في تاريخ الاختراق الاستعماري والصهيوني لأمننا العربي بل لعل الأمر وصل إلى مرحلة متقدمة في بعض مفاصل الإعلام والسياسة والاختراق ليس فقط بالأفكار والتجنيد إنما وهو الأهم من خلال غرس عناصر بشرية بعد تدريبها وحملها على ركوب المخاطر بتقليد فئات من الشعوب بلهجاتهم ومذاهبهم وعاداتهم والتسلح بما يجب أن يقوموا به.. ومن هنا تكثر الألقاب الوهمية المناسبة لأدوار معينة.

أبهجنا مسلسل رأفت الهجان ومثيلاته ولكن الأمر المريع أننا نعاني في مستنقع من الاختراقات التي لم تتوقف عند حد معين فليس فقط الاختراق للتعرف على القدرات العسكرية والأمنية أو التغلغل في وسائل الإعلام إنما والأخطر وصول الدوائر الخاصة من علماء دين وأئمة مساجد ومنخرطين في جماعات وأحزاب.

لم يدخر أعداء الأمة وسيلة أو أسلوبا إلا استخدموه ولم يتوقفوا عند باب من الأبواب إلا حاولوا اقتحامه.. وهم بهذا يمارسون الحرب بلا عواطف ولا مجاملات.. إنهم يدركون أن وجودهم في خطر ومشروعهم بقيد التبخر إن لم يقوموا بالتغلغل داخل مفاصل جسد الأمة يمزقونها ويشتتونها وينشرون فيها كل ما يخربها.

لم يسلم فصيل او حزب أو نظام أو جماعة من الاختراق مما جعلها جميعا عرضة للانحراف والتحول إلى قوة تدمير وتخريب إذا تمكن منها الفيروس، وهذا ما يفسر الصدام العنيف غير المبرر أحيانا كثيرة داخل البلد الواحد.

إن الموضوع ليس خوضا في عالم سرّي، بل هو قراءة سياسية في بعض ما صدر من كتب ودراسات ومقارنتها بما نحن فيه من تمزق وتشتت ومحاولة إغراقنا في مستنقعات الدم والفشل وفقداننا بوصلة نهتدي بها إلى أهدافنا.

شهادات مهمة:

لفت انتباهي مقالٌ نشرته الصحف الإسرائيلية عن طريقة تميّز بها جهاز المخابرات الإسرائيلية.. حيث عمدت وحدة خاصة من جهاز الموساد الى عزل مجموعات من الشباب اليهودي القادم من مناطق عربية وإعادة تنشئته في محاضن خاصة بإشراف متخصصين زوّدوا كل واحد من هؤلاء باسم جديد وثقافة إسلامية وتعوّد على لهجات عربية محددة وفلسطينية حسب المنطقة.

وفي كتابه “جواسيس بلا بلد: حيوات سرية في ولادة إسرائيل” SPIES OF NO COUNTRY: Secret Lives at the Birth of Israel  ، ويتناول  كتاب “جواسيس بلا بلد”، الأحداث في الفترة ما بين يناير 1948 وأغسطس 1949 ، وهي فترة مضطربة عندما أعلنت دولة إسرائيل وقاتلت من أجل بقائها. يروي الصحفي الإسرائيلي ماتي فريدمان كيف أنشأت مجموعة صغيرة من الجواسيس اليهود متجرًا صغيرًا في بيروت، ليكون نواة أول مركز استخبارات إسرائيلية في دولة عربية بعد فترة وجيزة من قيام دولة إسرائيل في مايو 1948.. يحكي الكتاب قصة  أربعة عملاء شاركوا في هذه العمليات، وهم  “جميليل كوهين” ، واسمه المستعار ” يوسف”،  و “إسحاق شوشان” ، ويعرف بإسم  “عبد الكريم”، و”هافاكوك كوهين” ، ويعرف أيضًا بإسم “إبراهيم” ، و”ياكوبا كوهين” وإسمه المستعار ” جميل”.. وكان الرجال الأربعة جميعهم من اليهود السفارديم الناطقين باللغة العربية، وكانوا  في العشرينات من العمر عندما تم تجنيدهم، ولد  الثلاثة الأوائل في الدول العربية، وكان  الرابع من مواليد “القدس.”

لقد اعتمدت القيادة الاستعمارية البريطانية و القيادة الصهيونية في فلسطين على شبكة من المتعاونين العرب للحصول على معلومات عن أعدائهم الفلسطينيين العرب.. بيد أن هؤلاء المخبرين العرب كانوا مكلفين وغير موثوقين في كثير من الأحيان.. لهذا لجأت الى تكوين جواسيس يهود للقيام بالمهمة بعد تدريبهم على الثقافة واللغة والديانة والعادات والتقاليد واللهجة المحلية.. وكان هؤلاء الجواسيس يجيدون اللغة العربية و قادرين على الاندماج بسهولة في بيئة عربية، وتعلم هؤلاء العملاء القوانين، وأحكام القرآن الكريم، والعبارات التي يرددها العرب، وكانوا خادعين بدرجة كافية وجواسيس جيدين.

وتلقى هؤلاء العملاء تعليمهم في الأماكن العربية في فلسطين، وهم يتجولون في الأسواق، ويجلسون في المطاعم ومحلات الحلاقة ويتحدثون في الحافلات وبعد ان تم تدريب المئات، بل لعل الآلاف، وجّهتهم الوحدة الأمنية الخاصة إلى مناطق محددة وانغرسوا في المجتمعات الجديدة، وتزوجوا بنساء مسلمات وأنجبوا أولادا، وكانت لهم مهمة خاصة وهي ان يقتربوا من حركات التحرّر والفعاليات الثقافية والسياسية.. ويشير الكاتب الصهيوني إلى وقائع تمّت وكيفية توصُّل الموساد إلى معلومات طازجة في وقت حصولها ومن المصدر بفضل وجود أشخاص من أصل يهودي منخرطين في صفوف أمامية من حركات وأحزاب ومجموعات ومنظمات…و لقد تم دمج القسم العربي في المخابرات الإسرائيلية في سبتمبر 1948 بالموساد، الذي أجرى مهام خطيرة في الدول العربية.

تعتمد الموساد على المرأة اعتمادا قويا في القيام بعمليات التجسس وإسقاط العملاء من خلال استخدام الرذيلة والإغراء ولقد صرحت ليفني وهي من أكبر المشتغلات في هذا الحقل عن أدوار لها بلا حياء ولقد أسرع حاخامات يهود بأن رفعوا الحرج عن المرأة التي تخدم دولة إسرائيل إذا استخدمت السلوك الفاحش و ما أكدته أجهزة المخابرات الإسرائيلية أن المجندات نجحن على مدار الأعوام الماضية في تنفيذ عمليات عسكرية مهمة بينها اغتيال القيادي الفلسطيني حسن سلامة، و سرقة أسرار السفارة الإيرانية في قبرص، و مكاتب حزب الله في سويسرا، واختطاف الخبير النووي “فعنونو” من ايطاليا، 

مخطط إستراتيجي:

أسعفني كتاب “قصور من الرمال” لمؤلفه “أندري جيروليماتوس” وهو يتحدث عن قرن من التجسّس والتدخل الأنكلوامريكي في بلاد العرب.. لنكتشف ان ما يجري في الساحة العربية اليوم ليس وليد ساعته.. فهذه الحرب المستعِرة داخل مجتمعاتنا ليست هي النتيجة الطبيعية لتفجُّر غضب الشعوب على حكامها الذين اغتالوا الحريات واستولوا على الثروات. إن الأمر أبعد من ذلك؛ انه نتيجة طبيعية لعمل دءوب قامت به الأجهزة الأمنية الغربية في بلاد العرب منذ زمن بعيد.

في الكتاب المذكور جهدٌ كبير بذله المؤلف في التقصي والتحري من مصادر المعلومات في أكثر من بلد، وقد شاركه في ذلك مختصّون ومتابعون في أكثر من موقع دراسات ومركز أبحاث.. وتأتي أهمية الكتاب التي تقارب صفحاته الخمسمائة من متابعته للأحداث واحدا بعد الآخر: كيف تشكلت؟ وكيف تم التخطيط والتنفيذ لها؟ بمعنى آخر إعادة قراءة للأحداث والحكومات والصراعات قراءة مفسِّرة مبررة.. وهنا نكتشف هولا كبيرا تتضح معه الحقائق: كيف حدثت؟ كيف تمكّنت مجموعاتٌ من الصهاينة من اغتصاب وطن وأرض وطرد شعبها؟ كيف تتمكّن عصابة “محقورة” من الانتصار على الدول العربية؟ لماذا لم يستطع العرب توحيد بلدانهم، مع أن الشعوب كلها تطمح للوحدة وهي تشترك في الثقافة والدين واللغة؟ كيف خسرت البلدان العربية مشاريع التنمية والنهضة مع توفر كل الإمكانات لذلك؟

وهنا تأتي الإجابات واضحة مفصلة: إنها استخبارات الانجليز والأمريكان والفرنسيين والروس كيف لعبوا ولازالوا في المنطقة كأنها رقعة شطرنج بين أيديهم، فنشروا شبكات التجسس لتصل إلى كل شيء للحصول على المعلومات وبث الإشاعات وتشغيل العملاء وزرع ما يريدون من أجهزة وأشخاص وأفكار على رأي صاحبنا مالك بن نبي؛ إنهم اشتغلوا في عالم الأفكار والأشخاص والأشياء.. حاربوا انتشار الشيوعية وأفرغوها من محتواها، وجندوا لمواجهتها الأديان ودعموا حركات “دينية” للغرض ذاته.. ودعموا حركات وعصابات، وناصروا زعيما وناصبوا آخر العداء، ثم بدلوا الأدوار فقتلوا من ناصروا بالأمس وحاوروا من عادوا بالأمس.. حرضوا فئة على فئة وأتباع مذهب على مذهب، مستغلّين في ذلك كله ما غرسوه من منطق وفلسفة في عقول الناشئة وبعض السياسيين والقيادات الاجتماعية من قِصر نظر وانهماك في الثانويّات من المسائل.. ومن خلال تلميع شخصيات زرعوها في المجتمعات.

لا يمكن فهم ما نحن فيه من فوضى مستبدّة وتيه محكم إلا عندما نكتشف أن وراء ذلك كله قوى حقيقية وليست أشباحا.. قوى تشجّع بعضنا على بعضنا وتغري بعضنا على بعضنا.. وعندما نعرض أي قضية من قضايانا الداخلية على العقل والمصلحة لا تصمد لحظة أمام المنطق والتبيان، لأنها قضايا وهمية، فما هي مصلحة الحاكم عندما يدمّر بلده ويستبيح دماء أبناء شعبه ويكمم أفواههم ويحرمهم من الحياة الكريمة؟ ما هي مصلحة المعارضات عندما تدمّر وتقتل وتنخرط في تخريب البلد؟ ماذا تريد من ذلك؟

إن هناك أجهزة استخبارات تعمل من اجل مصالح إستراتيجية لدولها، وهي لن تتوقف عن العمل الدءوب لتهيئة مناخات التشتت، وهي تتقدم في اللحظة المناسبة لإقصاء اي حر وشريف ونبيه عن مسرح الحياة بأساليب عديدة: إما القتل والاغتيال، وإما التشويه والتحريض عليه من دائرته الخاصة لإسقاط صدقيته ومصداقيته..

أجل، إننا نعيش معارك ضخمة خطّطت لها الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية لازالت تلقي بظلالها القاتمة على حياة الأفراد والمجتمعات العربية، فما حصل في أفغانستان لم يمكث هناك، بل امتدّ وفرّخ أطوارا جديدة من العنف اجتاحت العالم الإسلامي والوطن العربي خاصة. وبمتابعة جذور ما حصل هناك نكتشف كيف أدارت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية ومعها أجهزة أمن محلية كتابع لها العملية لزرع العنف في المجتمعات وإلغاء فرصة استقرارها وجعلها بؤرة تصدير العنف “الإسلامي” في الوطن العربي، ثم تحميل الإسلام والمسلمين جريرة كل فعل إجرامي يمكن أن يحدث في العالم تقوم به أجهزة أمن غربية لأغراضٍ محسوبة اقتصاديا واستراتيجيا.. الحرب العراقية الإيرانية كيف أشرفت عليها الأجهزة الأمنية الغربية، وكيف تمّ جرّ العراق لاجتياح الكويت، وكيف هيّأوا الأمر تماما لذلك، وكيف جهّزوا أنفسهم للمرحلة التالية؟

ظاهرة الربيع العربي:

لا يمكن قراءة الربيع العربي دون أن نقرأ شخصا متميزا بحضوره في المشهد العربي إنها علامات استفهام كبيرة أحاطت بالكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي«يهودي عاشق للصهيونية» برنار هنري ليفي، عرّاب الخراب،خاصة في مسيرته الأخيرة على الساحة العربية منذ بداية العام 2011 وانطلاق ثورات الربيع العربي.. وتماما يجب إظهار الاهتمام بمنظمات المجتمع المدني وتدريب كوادر فنية على شبكات التواصل الاجتماعي والإغداق عليها بالأموال.. كما لابد من إظهار حقيقة موقف دول قمعية أحادية تجاه الربيع العربي بدعمه بالمال والسلاح والإعلام.. أو بالانقضاض عليه.

 جاء الربيع العربي الذي ينبغي عدم إنكار مبرراته المحقة من ضرورة استرداد الكرامة والعزة والحريات والعمل من أجل الرفاه والتنمية وقطع أيدي السارقين الكبار.. وهذا هو المناخ الذي تتسلل منه مخططات الاستخبارات الغربية، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن جملة أوضاع  مجتمعاتنا العربية المزرية هي من صنع الاختراقات الأمنية الغربية لاقتصادنا وسياستنا وثقافتنا ومن خلال مستشاريهم لدى حكوماتنا وضغوطهم على سياسيينا وإغراءاتهم واختراقاتهم ونصائحهم وتحذيراتهم وتطميناتهم.. بمعنى أن الدوائر الاستعمارية هي من يهيئ الانفجارات العربية لكي تستثمر فيها بإرهاق بلداننا بالتخريب والتدمير لمؤسساتنا وثرواتنا واحتمالات التنمية والتطور.

انتهى الربيع العربي في معظم الأماكن كما أرادوا هم بعد أن هيأوا للأمر أسبابه، وأصبح الجميع في المشهد بمثابة حجارة شطرنج بيد اللاعبين الكبار الذين سعَّروا الحرب الداخلية وزوَّدوا الأطراف المتصارعة بمبررات الاستمرار، ثم شكلوا للمتصارعين أطر تسوية وأصبحوا هم مرجعية المرحلة القادمة بقبول كل الأطراف بهم.. وأصبحت خريطة المنطقة كلها بين أيديهم يفصِّلونها حسب ترتيباتهم وخططهم.

وماذا بعد؟:

عملية ضخمة لازالت مستمرّة من التجسّس والتدخّل الأمريكي والانجليزي والفرنسي في مفاصل حياتنا وصنعت لها جيشا من العملاء يدافعون عن مصالح الاستعمار، وفي مقابل ذلك قليلٌ من أجهزتنا الأمنية من عمل في إطار مستقل عن التبعية للأجهزة الأمنية الأجنبية.. وانخرط الكثير من الأجهزة المحلية في إستراتيجية الأجهزة الاستخباراتية الأجنبية كما كان شأن السافاك الإيراني أيام الشاه وكما بعض الأجهزة العربية الآن في تنسيقها الأمني مع العدو بحجج مواجهة الإرهاب وسوى ذلك. 

المهمة سهلة تماما لمواجهة المشكلة، فالتزود بمعيار الكشف عن فيروسات التجسس والعملاء هو المنقذ فهو يمنحنا فرصة إبراز ثلاثية الكرامة: وحدة الأمة ونهضتها وفلسطين، ونقيضها.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك