أخلاقيات ومهارات ممارسة مهنة المحاماة

دستور المهنة

الكاتب: هشام قاضي

مؤلف كتاب أخلاقيات وأصول مهنة المحاماة 

وكتاب المحاماة في الدول العربية 

دار المفيد 2010

 

بداية قبل الانطلاق في نحت هذا المقال أهدي هذا العمل إلى الروح الطاهرة التي نالت منها أيادي الغدر والإجرام المحامية المتربصة: طرافي ياسمين رحمها الله.    

 

يقول ملك فرنسا لويس الثاني عشر: ” لو لم أكن ملكا لفرنسا لوددت أن أكون محاميا”. يكفي ما قاله ملك فرنسا عن مدى نبل وأهمية وقيمة وعلو همة هذه المهنة، فالمحاماة من أرقى المهن التي يتمنى الكثير من الآباء أن يرى ابنه أو ابنته فيها، وهي من أسمى ما يحلم به كل طامح للوصول إلى المهن الشريفة والعفيفة والنبيلة. – كيف لا- وهي المهنة التي يرفع على عاتقها الدفاع عن المظلومين، وحماية الحقوق ومساعدة مختلف الأجهزة التي تعمل في سلك القضاء لتحقيق العدل والوصول إلى الحقيقة.

  ولقد راودتني فكرت وضع هذه الأبواب عندما رفعت يدي لأول مرة لأقسم بالقسم القانونية التي بموجبها أصبحت محاميا وأنظممت إلى سلك المحاماة سنة 2007، هناك همست في نفسي لما لا أضع قواعد أوضح فيه مجمل التقنيات والمهارات التي من شأنها أن تساعد زملائي المبتدئين في هذه المهنة، وأمجد فيه كل من سهر على تعليمنا أصول هذه المهنة، وتدريبنا عليها، وتذليل الصعاب التي كثيرا ما واجهتنا كمحامين مبتدئين لا نعرف من المهنة سوى ارتداء جبتها السوداء(حتى الجبة في ارتدائها أصول).

  ولكن يجب أن نعلم أن مهنة المحاماة لا تكمل فقط في ارتداء جبتها السوداء، بل تبدأ المسؤولية الحقيقية عندما نرتدي تلك الجبة ونحمل صفة المحامي، الذي يحمل على عاتقه الدفاع عن المظلومين والمساعدة على تحقيق العدل والإنصاف في أحكام القضاة.

إن المحامي لديه مكتسبات معنوية كثيرة في ممارسته لهذه المهنة، ولديه أيضا منافع مادية كمقابل لأتعابه، ولكن أيضا يجب أن يعلم أنه مسئول عن قضية مصيرية، فقد تؤدي جهوده وبراعته ومهاراته في المهنة إلى انـقاد حق ثابت دارت حوله الشكوك، أو حماية متهم مدان بجريمة لم يقترفها، أو لم يثب اقترافه لها من حبل المشنقة، فيكفي أن أكبر وأهم قضية يدافع عنها المحامي هي قضية العدالة وتكريس سيادة القانون، فكل محامي يحمل رسالة نصرت الحق والدفاع عن المظلوم وإحقاق العدل.

ونتمنى في الأخير أن نكون قد وفقنا في كتابة هذه الأبواب، أو إن صح التعبير دستور مهنة المحامي  بما يخدم الوطن بصفة عامة وهذه المهنة بصفة خاصة.              

 

الباب الأول: فـي أخلاقيـات المهنـة

 

  1. إن هذه المهنة وجدت لخدمة المظلومين والمقهورين، ودورنا كمحامين رفع الظلم عنهم، وتقريب العدالة إليهم، وتمكينهم من عرض خصومتهم أمام الجهات القضائية التي بدون شك ستنصفهم.
  2. أن حسن أخلاق المحامي من حسن تكوينه.   
  3. على المحامي أن يتقيد بسر المهنة وتقاليدها، وأن يكون مثلا في الامتثال للقانون.
  4. يجب على المحامي المتربص أن يضع نصب عينيه بأن مهنته هذه هي مهنة الأخلاق، ولهذا وجب عليه أن يتقيد جيدا بأخلاقيات مهنته النبيلة.
  5. كن واثقا بأن مهنة المحاماة هي مهنة الشرفاء وعليه يجب أن تكون شريفا، صادقا، منضبطا، وأمينا.
  6. لا تتصرف منذ أن أديت اليمين القانونية كما كنت سابقا، بل الآن أصبحت تحمل صفة المحامي، ولهذا وجب عليك أن تتقيد بأخلاقيات المحامي.
  7. الآن لا بد أن تكون مجالس جلوسك، وطبيعة الذين يجلسون معك ليس كسابق عهدك قبل أن تكون محاميا، بل منذ هذه اللحظة يجب عليك اختيار المكان الذي تجلس فيه والصحبة التي تمشي معها، وطبيعة الحديث الذي تتحدثه، لأنك اليوم مسئول عن تصرفاتك كمحامي تحكمه القواعد الأخلاقية المكتوبة والغير مكتوبة.
  8. أحسن التصرف إلى زملائك، وأحترم كثيرا من هم أقدم منك.
  9. وقـر نقيبك جيدا، وأعضاء مجلس نقابتك، وكن شاكرا دائما لمدير تدريبك.
  10. إذا شاركت في انتخاب أعضاء مجلس النقابة، كمحامي متربص، عليك أن لا تستهين بالمشاركة فيها، بل تأكد بأن لصوتك أهمية كبيرة، بل صوتك أمانة في رقبتك.    
  11. عليك أن تدرس الملفات التي تقدم إليك عن طريق مدير تدريبك بكل إخلاص وأمانة وجدية.
  12. عليك أن تخضع جيدا للقوانين التي تحكم المهنة لا سيما القانون الذي ينظم مهنة المحاماة
  13. يجب على المحامي أن تكون جبته دائما نظيفة، ولباسه دائما يعبر عن مكانة المهنة.
  14. على المحامي الجديد في ناحية ما أن يقوم بزيارة مجاملة إلى رئيس المحكمة والمجلس، وأن يزور قدماء المهنة وذلك ليتعرف عليهم ويتعرفون عليه.
  15. عندما تريد لباس جبتك أو تلتقط شيء ما سقط لك يجب أن يكون دائما رأسك في الأعلى ويديك في الأسفل فالمحامي لا ينحني أبدا لأي سبب من الأسباب.

 

الباب الثاني: فـي تسييـر المكتـب

 

  1. من المستحسن أن يكون مكتب الأستاذ قريب من المحكمة أو المجلس ليسهل له الانتقال إلى تلك الجهات، وليسهل للموكلين الذهاب إليه.  
  2. حاول قدر الإمكان أن يساير مكتبك الركب الحضاري وأن يكون دائما نظيفا ومنظما.
  3. يجب على المحامي أن يلم بالتكنولوجيا خصوصا ما يرتبط منها بالكومبيوتر والإنترنيت.
  4. يجب أن يحتوي مكتب المحامي على الأقل على الحد الأدنى من الوسائل اللازمة للخدمات من مكتب خاص به وآخر للكاتب(ة)، وجهاز كمبيوتر، وطابعة، وكراسي خاصة بقاعة انتظار الزبائن.
  5.  من اللازم حاليا أن يكون للمحامي عنوان البريد الإلكتروني ( الإيمايل أو الياهو). 
  6. يجب أن يحتوي مكتبك على مكتبة قانونية وأرشيف، فالمكتبة تحتاج إليها في تحضير القضايا، والأرشيف لتحفظ فيه مختلف الملفات الخاصة بزبائنك.
  7.  يجب أن تنظم الملفات وتفهرسها حسب درجات التقاضي(الأقسام بالنسبة للمحكمة، والغرف بالنسبة للمجلس القضائي)، والاختصاص النوعي لها( تجاري، عقاري، مدني، إداري). 
  8. إن وجود الكاتب(ة) في المكتب ضروري لإبقاء المكتب في الخدمة حتى في غياب المحامي (تلقي المكالمات الهاتفية، تحديد موعد للزبائن الجدد مع الأستاذ، تلقي الوثائق الناقصة من الزبائن).
  9. يجب أن يكون المكتب دائما منظم ونظيف ومرتب بطريقة تسهل العمل وتترك انطباع حسن للموكلين.

 

الباب الثالث: في استقبال الموكلين 

 

  1. لا يمكن استقبال الموكلين على الإطلاق خارج المكتب، بل يجب استقبالهم في المكتب فقط، كما لا يمكنه أن ينتقل إلى الزبائن إلا إذا كان الزبون شخصية معنوية(شركة أو مؤسسة) ويشترط هنا أن يكون هناك عقد اتفاق بين الطرفين.
  2.  لا تفتح مجال لمناقشة القضية مع الزبون في أروقة المحاكم، أو في مكان آخـر. 
  3.   يجب أن يكون لدى المحامي دائما بطاقات الزيارات لأنه يحتاج إليها في وقت الحاجة خصوصا مع زبائن أجانب عن المنطقة أو جــدد.  
  4.  يجب تعليم الكُتَاب جيدا تقنيات ومهارات استقبال الزبائن، فأول من يستقبل الزبائن هم الكتاب.
  5.  إذا كان لك موعد مع أحد الزبائن- خصوصا عندما يكون الزبون جديد- يجب عليك  أن تحترم جيدا ذلك الموعد، فلا تنس أن الزبون يحكم عليك من خلال هذه الأشياء إن كنت جديا أم لا.
  6.  يجب أن نستقبل الزبائن بوجه بشوش، وروح خفيفة حتى نشعرهم بالأمان والاطمئنان تجاه من يوكلونه في قضيتهم.

الباب الرابع: في مناقشة، واستجواب الزبائن، والرد على استفساراتهم

  1. يجب أن يكون حديثك مع الموكلين دقيقا ومتحفظا، وأن لا تفتح للزبون باب الخروج عن الموضوع.
  2.  يجب أن تكون أسئلتك واضحة ودقيقة في الاستفسار عن حيثيات القضية.
  3.  يجب أن تكون بالقرب منك دائما ورقة لتضع فيها المعلومات التي تتحصل عليها من موكلك.
  4.  أول شيء يجب الحصول عليه من الزبون: الاسم واللقب، عنوانه، رقم هاتفه، علاقته بأطراف القضية.
  5.  لا تطلب من الزبائن خدمات خاصة بك بالنظر إلى طبيعة عملهم، قبل أن تتعرف عليهم جيدا.
  6.  إذا طلب منك الموكل نسبة نجاح القضية يجب أن تكون صريحا معه في ذلك، وفي نفس الوقت لا نجعله يفقد الأمل، ومن الأفضل أن نخبره بأننا سندرس الموضوع ونحدد ما يجب فعله بعد ذلك. 
  7.  لا تقل للموكلين أن قضاياكم نسبة النجاح فيها 100% ونحن ندرك مسبقا بأن مآلها الفشل.
  8.  لا تدع الموكل يجرح في المحامي الذي سبق وتأسس في قضيته.
  9.  لا تُجرح إطلاقا في زملائك المحامين أمام الموكلين، وهذا من أخلاقيات ونبل المهنة.
  10.  إذا جاء تأسيسنا في القضية كمحامي ثان، علينا أن نتصل بالمحامي الأول ونستشيره في الأمر وذلك من باب الاحترام والتقدير للزملاء.
  11.  يجب أن تطلب من الموكلين الأوراق اللازمة، والأدلة الكافية التي يملكها، ولكن لا يجب أن تثق في كل ما يقدمه لك موكلك من أدلة فقد تكون ناقصة أو غير سليمة.
  12.  لا تدع الزبون يسيطر على الجلسة، خصوصا عندما يكون معه أطراف كثيرون.فكثيرا ما يريد فرض رأيه وهو يجهل القانون والإجراءات الخاصة بالقضية.

 

الباب الخامس: في دراسة الملفات والقضايا 

 

  1. عند دراسة الملف يجب أن تربط الأحداث بتواريخها، وأن لا تهمش  دور التواريخ، أو الساعات المذكورة في الملف، خصوصا إذا كان الملف جزائي.
  2.  يجب أن تدرس جميع الشروط القانونية الخاصة بالمعاينة، والتفتيش، والاستجواب، والحبس المؤقت، وكل ما يتعلق بإجراءات التحقيق.  
  3.  أيضا لا تكتفي بدراسة ما يرتبط بموكليك، بل يجب أن تدرس كل ما يتعلق بأطراف القضية حتى تتمكن منها جيدا.  
  4. قبل أي مرافعة أو تحرير عريضة يجب أن تدرس الملف جيدا، وأن تتمكن من فهم موضوع القضية، حتى لا تحدث لك أي مشكلة في الإجابة عن أسئلة القاضي أو محامي الطرف الآخر.
  5.  يجب أن تتمكن من أسماء موكليك وعلاقتهم بالأطراف الأخرى داخل الخصومة، فمشكلة كبيرة أن نترافع في قضية لا ندرك أسماء أطرافها.
  6.  الملف أمانة في عنقك فيجب أن تكون أمينا له، بالحفاظ عليه، وحفظ ما فيه من أسرار.والعناية به بإخلاص.
  7.  حذار أن تفقد أي وثيقة من الوثائق التي سلمها لك الموكل.  

 

الباب السادس: في المرافعات

 

  1. يجب أن تكون لغتك واضحة في المرافعة، ووصفك دقيق، وشرحك وافي، وصوتك مسموع. 
  2.  أثناء المرافعة يجب أن تركز فقط في النقاط الأساسية التي يمكن أن تساعد الموكل.
  3.  أثناء المرافعة لا تتكلم حتى يأذن لك القاضي رئيس الجلسة.
  4.  يجب أن تحضر نفسك جيدا بحيث يمكنك أن تجيب على أي سؤال حتى ولو لم يكن في الحسبان.
  5.  يجب أن تستمع لدفوع خصم موكلك، وتركز جيدا في ما يذهب إليه محاميه، فقد يقع في تناقض، أو يغفل مسألة ما، فتستغلها في دفاعك.
  6.  يجب أن تثير الدفوع الشكلية إذا كانت لديك قبل الحديث في الموضوع، خصوصا في القضايا الجزائية.

 

الباب السابع: في تحرير العرائض

 

  1. حذار من الوقوع في العيوب الشكلية التي تؤدي إلى رفض الدعوى شكلا.
  2.  يجب أن تكون حيثياتك موجز، ووصفك للنزاع دقيق.
  3.  لا تطنب في الحيثيات، ولا تنس الدعم القانوني لكل ما تذهب إليه.  
  4.  لا تضع حيثية لا تملك فيها دليلا حتى لا تستعمل ضدك.
  5.  يجب أن تتفادى الأخطاء المطبعية والإملائية، خصوصا ما يرتبط بالأسماء والأعداد(الأرقام).
  6.  ضع كل ما تراه مناسبا من أدلة خصوصا القانونية منها. 

 

الباب الثامن: في تقديم الطلبات

 

  1. يجب أن نتقيد في الطلبات فيما يطلبه موكلينا.
  2.  يجب أن تكون محددة بدقة وإيجاز يسهل للمحكمة تناولها.
  3.  أن تكون الطلبات ممكنة التنفيذ، فلا نقدم طلبات مستحيلة التنفيذ.
  4.  مراعاة بعض الوسائل القانونية في الطلبات التي من شأنها أن تخدم موكلنا كطلب النفاذ المعجل.

 

       

الباب التاسع: في العلاقة مع الزملاء

 

  1.  يجب أن تكون علاقة المحاميين مع بعضهم البعض علاقة طاهرة نقية تحكمها الأخوة والوئام والتضامن.
  2.  على المحامي المبتدأ أن يُكِنْ احترام خاص للزملاء القدامى.
  3.  لا يجب التجريح في الزملاء في أي مقام من المقامات.
  4.  عدم السماح للزبائن أن يجرحوا في أي زميل وتحت أي غطاء.
  5.  عليه أن يقبل إنابة زملائه في قضاياهم وذلك في المستوى الذي لا يؤثر في مسار عمله.
  6.  ضرورة تقديم المساعدة للمحامين الغير تابعين للناحية أو الولاية التي تشتغل فيها.    

 

  

الباب العاشر: نصائح عامة 

 

  1. قبل التأسيس في أي قضية يجب عليك أن تتفق جيدا مع الزبون فيما يخص الأتعاب حتى تكون الأمور واضحة معه. 
  2.  يجب على المحامي أن يلم بجميع التغييرات التي قد تمس بعض القوانين، حتى لا يخطئ أمام القاضي، ولا يضيع حقوق موكليه. 
  3.  يجب على المحامي أن تكون لديه القدرة على تطوير الكفاءات، وهذا من مظاهر المحامي الناجح.   
  4.  يجب أن يدرك المحامي أن في ممارسة مهنته دائما أنه في مدرسة يتعلم كل يوم منها شيء جديد. 
  5. إن أسوء شيء يعرض المهنة بكاملها للإساءة و الإحراج، هو أن ينادي القاضي لمحامي الطرف الماثل أمامه فيجد أن المحامي غائب غير حاضر في الجلسة، فكلنا نشعر بالإهانة نتيجة هذه التصرفات الغير مسئولة التي تسيء لنا وللمهنة.       
  6.  تذكر جيدا أن هذه المهنة هي مهنة الأخلاق، والتمسك بالقيم النبيلة، فحسن الأخلاق من حسن التكوين.
  7.  يقول لويس الثاني عشر ” لو لم أكن ملكاً لفرنسا لوددت أن أكون محامياً “

هذا ما يعبر عن قيمة المهنة، وشرفها، ونبلها، فيجب أن نكون في مستوى قيمة هذه المهنة ونبلها.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك