أخطر حروبهم علينا.. تخريب نخبتنا الثقافية

مؤامرة

بقلم: صالح عوض

 

لأننا في معركة حقيقية فإنّ كل مكوناتنا المادية والمعنوية تتعرض للعدوان من قبل القوى الاستعمارية وأدواتها في المنطقة.. ليس فقط الأرض و النفط والغاز والأسواق، وليس فقط محاولاتنا للتنمية والنهوض، وليس فقط بجيوشهم وأسلحتهم الفتاكة، إنما لتثبيت مكتسباتهم كان لابد من الهجوم المركّز على منظومتنا الثقافية ومثقفينا و على أكثر من جبهة في محاولات صناعة نخبة ثقافية مزودة بروح المستشرقين وتشكيكهم، أو باختراق نخبتنا الثقافية بنسب مختلفة في ميادين عديدة من الإعلام إلى الجامعة والفن.. والاختراق يصبح واقعا مرجعيا تتبدل معه المعايير والقيم ويتشكل جيش من المثقفين المعرقلين المشوشين والمثيرين للبلبلة في مواقع عديدة.. وهذه أخطر ما يمكن أن يواجه أمتنا من تحديات.. فما هي مظاهر الإختراق وما هي آلياته ومن أين يبدأ.. وهل من سبيل للتصدي له؟ 

مظاهر الاختراق: 

تتعدد مظاهر الاختراق والفساد داخل النخبة المثقفة.. ولنا أن ندرك خطورة المسألة على اعتبار أن النخبة المثقفة هي المسئولة عن حماية ذاكرة الأمة وقيمها ومفاهيمها وهي المعنية تماما بالدفاع عن هويتها وشخصيتها.. عندما يتخلى المثقف عن دوره المسئول تجاه شعبه وأمته ويصبح ثرثارا ومهرجا ومصفقا للباطل ومبررا للمفاسد يكون قد تبوأ الموقع الأخطر في الحرب على مستقبل الأمة ونهضتها.. وعندما يصبح المثقف أداة بيد حواة السياسة و جسرهم لاختراق وعي الناس يكون أكثر قسوة على ظهور الفقراء والمظلومين من سياط الجلادين.. 

وعندما يصبح حال بعض نخبتنا الثقافية الخجل من المقدس والتهرب منه! وعندما تضطر إلى ممارسة ما يبعد عنها تهمة “التخلف” -الأصالة- والعادات والتقاليد والقيم! وعندما تعيد التشكيك في ثوابت منظومة أفكارنا ووقائع حضارتنا وإسهامنا الإنساني و تطرح على الهواء ما يشوه رموز تاريخنا ومقومات شخصيتنا وتزجّ بجيل الشباب في متاهات الجدل الفلسفي لتكسير إهاب المقدس!! إنها حين ذاك تريد تجريدنا من كل أسلحتنا في معركة الحياة..

 عندما يصبح حائط البراق مجرد حائط و فلسطين مجرد أرض كباقي الأرض! وعندما يصبح وجه العدو كوجه الصديق ويده كيده! عندما يصبح شرط وجودها الثقافي أن تتخلى عن هويتها و نواظم حياتها بما يتناسب مع رأي بعض من هم في شمال المتوسط!! حينذاك نكون قد وقعت النخبة في دائرة الاستلاب وتحولنا بفعل قوة التوجيه النفسي إلى أدوات تخريب لروح الأمة وضميرها وعزيمتها.

  فكم من مسلم يتهرب من وصفه مؤمنا بالإسلام وملتزما به إلى مصطلحات مطاطة وتعويمية فيضيف إلى كلمة مسلم كلمات “متفتح” ،”غير متعصب”،”لبرالي”؟ هل ترى إلى أي مرحلة وصلت عملية الاختراق في ثقافتنا بحيث أصبح الحديث عن الفتوحات الإسلامية والأمجاد الحضارية والجهاد والمقاومة مثار سخرية من قبل البعض؟ وفي التاريخ المعاصر نرى  كيف أصبحت مرجعيات الأمة مشوهة فنتهرب من هويتنا: الإسلام والعروبة والوطنية والثورة؟

المتسببون في الاختراق:

 كيف تمكنوا من فعل ذلك؟ مباشرة تقفز أمامنا الإجابة: هناك سببان أنجزا هذه المهمة الشيطانية.. أولهما: الاستشراق الذي أدارته الجهات الاستعمارية وأما السبب الثاني فهو يتمثل في أننا فرطنا بدراسة تاريخنا وتربية أبنائنا عليه ولم تعد عناوين مرجعيتنا الثقافية سوى شعارات لا تصمد أمام التشكيك والتشويه المنهجي من خلال الدعايات الاستعمارية او من خلال رهط من التغريبيين الراضعين من ثدي الاستشراق.. في حين يحتفظ خصومنا الحضاريين بمرجعياتهم في مقام التقديس، ويجعلوا من الرواية الرسمية ورقة مقدسة لديهم يحاكم  بقوة القانون كل من اقترب منها بإساءة..

يشرح المفكر الفلسطيني ادوار سعيد السبب الأول في كتابه المرجعي ” الاستشراق” حيث يؤكد أن النخبة في مجتمعاتنا تعرضت لعمل مدروس موجه من الدوائر الاستعمارية لاختراق مصطلحاتها وتعديل منهج تفكيرها وتزويدها بمفاهيم تفرغ محتواها الحضاري.. فأصبحت قطاعات من النخبة تمارس دون وعي منها أدوارا ضد مصلحة الشعب والأمة، و تحت أغطية فكرية ثقافية معينة صنعها لها عدوها.. وأصبح استدعاء ثقافة المستعمر ومنظومة قيمه بشكل سافر حاضرا من قبل النخبة كلما احتاجت للتحليل والشرح.. وهكذا تكون الرواية المشوهة والمشوشة قد تشكلت بمقدماتها وفصولها وناظمها الفكري والنفسي يحملها تيار من أبناء الأمة.

 والسبب الثاني يتمثل في غياب مؤسسات تحمي ثقافتنا من خلال تدعيمها بدراسات متواصلة تتابع إنتاج الخصوم الحضاريين وبثهم للتشكيك والتشويه والشيطنة.. ولقد كان للأزهر الشريف في مراحل معينة دور مهم في العمل ردا على المستشرقين وتخرصاتهم ولقد أنتج جهد الأزهر كما معرفيا كبيرا إلا انه متقطع ومحكوم بتوجهات السياسة المؤقتة.. وفي الاتجاه نفسه قامت جمعيات وأفراد لتجريد منظومة مفاهيمنا وقيمنا من الاختراقات او ما ران عليها بفعل تراكم الجهل والفشل.. و كان لمجموعة من المفكرين والمثقفين الحضاريين في هذا العصر الحضور القوي في التصدي للتشويه متمثلة في مالك بن نبي وسيد قطب ومحمد قطب وعلي شريعتي و ابو الحسن الندوي وابو الأعلى المودودي و محمد ابو زهرة وأنور الجندي ومرتضى مطهري ومحمد حسين فضل الله وحسن الترابي.. هؤلاء  المثقفون الكبار والمفكرون العظام مثلوا جبهة التصدي الأمامية للهجمة والاستشراقية على عقل الأمة كما كان لهم الدور البارز في تنوير أبناء الأمة على حقيقة الصراع الحضاري القائم.. إلا أن ذلك كله لم يكن في إطار عمل مؤسساتي مرتبط بالمؤسسة الرسمية في التعليم والإدارة مما جعله محصورا في دوائر محدودة..

قراءة التاريخ:

هنا تبدو لنا المهمة الأساسية التي علينا الأخذ بها بتركيز وجدارة إنها كيفية قراءة التاريخ حيث تقول لنا مجريات التحدي على هذه الجبهة: لا بأس من أن تنبشوا التاريخ ولكن لا تشوهوه.. فإن زهدكم في قراءة التاريخ لا يعنى أنكم في حل من آثاره ويعني أنكم عرضة لنتائج القراءات الأخرى.. وتبدأ الأسئلة العديدة والتي يبدو بعضها بريئا: لماذا نحن وصلنا إلى هذا الواقع؟ وهنا تأتي الإجابة التلقائية: إنها تراكمات سلبية حصلت مع المسيرة التاريخية لامتنا.. ومن هنا عمد المستشرقون العنصريون وتلامذتهم لتشكيل رواية بناء على منظومة وعي للتاريخ حسب معيارهم يدسون فيها ما يجرد تاريخنا من كل فضيلة أو يضعوا عناصر أخرى لتحريكه!

يتسرب الى أذهان البعض مفهوم خاطئ حول أهمية قراءة التاريخ أو عدمها.. حيث أن بعض الطيبين من أبناء أمتنا يزهدون في البحث التاريخي، ويرفعون شعارا “تلك أمة قد خلت”.. ومقصودهم أن نترك الماضي وشأنه ظنا منهم أننا إزاء مهمات واقعية ومستقبلية تحتاج أفكارا واقعية استشرافية متحررة من التشبث بالتاريخ و قوانينه.. ان هؤلاء في الحقيقة أساءوا للمعنى القرآني وأساءوا للأمة بحرمانها من استحضار عناصر قوة عالميتها الأولى والتخلص من فصول رديئة سيئة في مسيرتنا الحضارية.

وهناك من ينظر إلى الأحداث التاريخية على أنها مقدسة وينبغي عدم المساس بها نقدا أودراسة وحوّل البعض الأحداث التاريخية كأنها جزء من العقيدة والشريعة.. ويجعل من أقوال الرجال معلقات الدين ولها قداسة الدين. 

وهناك من يشيح بوجهه عن دراسة تاريخ أمتنا بعد أن يثير حوله الشبهات ويجتر قراءة المستشرقين لزوايا التاريخ الإسلامي.. والغريب أن هذا البعض يتغزل بتاريخ الأمم وأساطيرها من خلال الأعمال الفنية والأدبية والتاريخية.. 

هنا يطل المنهج القرآني فعندما قال الله سبحانه :”تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ”.. قال ذلك بعد أن فصل القصص وشرحها وبين الدوافع والأهداف وسنن التغيير والتحولات فكانت آيات القصص القرآني تشغل الحيز الأكبر من القران الكريم.. وعندما يقول سبحانه: “ولا تسألوا عما كانوا يعملون” فهنا الحديث يتناول موضوع المسئولية عما فعله السابقون وانه لا يمتد إلى الأبناء الذين عليهم ان يعرفوا ما كان يفعله السابقون  وذلك هو المنهج القرآني وذلك لتجنب شرور ما وقعوا فيه من جهة ولتقديم الرواية الصحيحة للعبرة من جهة أخرى.

الزاهدون في قراءة التاريخ مساكين سطحيون لا يفقهون قوانين التاريخ الحاسمة وكيفية تحركها و ضرورة فهمها.. والمقدسون لحوادث التاريخ هم خارج الواقع.. وان ما يدعونه من طيبة ونأي عن تناول التاريخ إنما هو ضعف بصيرة وفقدان للياقة الروحية لمواجهة الحقائق.

وهنا نستطيع القول أن أمة بلا وعي تاريخها هي أمة فاقدة الوعي بتحديات السير نحو المستقبل.. والغوغائيون الذين يريدوننا أن نتجاوز فهم تاريخنا هم في الحقيقة يعرضوننا لطغيان الروايات المجحفة الظالمة وإفقادنا مرجعية ومنظومة سنن ونواميس  النجاح والفوز.. فمن جهة النظر إلى الواقع فإننا نرى أن الصراعات المحتدمة في بلداننا بدءا من فلسطين وكل المشرق إنما تستند إلى صراع روايات.. فهاهو الكيان الصهيوني يقدم رواية تاريخية ويبذل جهده لتعميمها وجعلها قاعدة إعلامه والطائفيون والانفصاليون في بلداننا يقدمون روايات طائفية وانفصالية يختلقون قضايا ويشوهون تاريخ الأمة ويصنعون أعداء وعلى ذلك قتل ملايين العرب والمسلمين في معارك دفعت إليها الروايات العنصرية الباطلة.. من هنا يصبح تناول الرواية التاريخية بعين النقد والتصحيح أمرا في غاية الأهمية لنكشف زيف الروايات المدمرة التي يرعاها الأجنبي او يغذيها.. لنكشف حقيقة ان اليهودية وموسى عليه السلام بريء من هذه الرواية الصهيونية التي تقتل وتسرق وتدمر الحياة الإنسانية، كما ان سيرة الأئمة والعلماء والخلفاء تدحض الروايات الطائفية التي تفرق الأمة وتشوه الحقائق وتزرع بذور الشر وتضع فيها بواعث الفرقة وهذا يستدعي إبراز الخط المنير المستقيم في مسيرتنا الإسلامية..

ان الادعاء بان الحديث عن التاريخ يعطلنا إنما هو التعطيل الحقيقي لنا لأنه يضللنا ويقودنا كالأغنام على وجوهنا الى مذابحنا.. إن أمة لا تتدبر تاريخها وتمحصه سيكتب لها غيرها تاريخها.. وللأسف يأتي أناس من دوافع سياسية او مواقف جهل فينكرون على البحث والتفكر ولا يستسيغون المهمات الصعبة يستسهلون تغطية التاريخ والواقع في حين ان المنهج القرآني أشار لنا بقوة لضرورة فهم التاريخ وتقديم الرواية الصحيحة فالقران الكريم في أكثر من ثلثيه قصص الذين سبقوا لتشكيل رواية صحيحة بعيدة عن تزوير المزورين.. نحن امة تمتلك حسا تاريخيا ورؤية تاريخية تزودنا باليقظة والفطنة والتصميم على نيل المعالي.

كيف نكتب روايتنا؟

على الصعيد الوطني وعلى مستوى الأمة ينبغي ان تصبح هذه المهمة الحضارية في مقدمة برنامج الوعي والتربية والتنمية في مجتمعاتنا التي ينبغي عدم تجاوزها لسواها قبل انجازها.. ويجب ان نوليها أهمية بالغة لأنها القاعدة الأساسية لكل برامجنا التنموية في الصعد كلها.

وهنا ينبغي الانتقال من الجهود الفردية إلى استدعاء المختصين وأهل الرأي من المفكرين لورشات عمل دائمة وبناء مؤسسات علمية لكتابة التاريخ الوطني والقومي والإسلامي والبشري والمساهمة في حلقات نقاش أوسع حول تاريخنا العربي والإسلامي بمشاركة كبار علماء التاريخ والمفكرين العرب والمسلمين وتقديم المستخلص من التدبر والتقييم في برامج التعليم الوطني والقومي والإسلامي.. كما يتم تعميمها على مواقع الخطاب نحو الشعوب في الوعظ والإعلام وهكذا نحصن مجتمعاتنا بجدار صلب أمام الاختراقات المحتملة من قبل قوى الشر الدولية وأدواتها الإقليمية.. وهكذا تظهر نخبتنا الثقافية محصنة ومزودة برواية علمية في مواجهة التحدي الحضاري.

إن التقصي العلمي وبناء منظومة معرفية متكاملة من خلال مؤسسات خاصة لها سلطان التوجيه ومرتبطة بالإعلام والتعليم يوفر لنا أهم شروط الأمن المجتمعي والقومي ويوفر علينا جهودا ضخمة في مجال الإجراءات العقابية والمتابعات المرهقة وهكذا نسقط الرواية الأخرى ومنطلقاتها وتأويلاتها.. 

وكما أنه من العبث القفز عن التاريخ بحجج عديدة نحو المستقبل فإنه من السخف الانغلاق في زوايا التاريخ بتقديس وتحويله لواقع معاش يستنفذ طاقاتنا وأفكارنا ومشاعرنا..

بالمؤسسات العلمية البحثية في مجال التاريخ بالمواصفات التي سبق ان ذكرناها وارتباطها بالمدرسة والإعلام نستطيع أن نرى فجر الوعي والتحرر من نمطية التفكير والسلوك الى مسئولية الأداء ودقة الكلمات وترتيب الأولويات.. ومن هذا كله يصبح التاريخ ساحة عملية ايجابية تزودنا بالخبرة والانتباه كما تكشف لنا عن السنن والنواميس.

نحن أمة لها المجد كله وهي تكتنز إشارات الانتصار الاستراتيجي بدرا وفتح مكة والقادسية واليرموك وفتح القدس وفتح الأندلس والقسطنطينية وتحرير الجزائر.. أمة لها المجد وهي تطرد الصليبيين وتقهر التتار وتواجه إمبراطوريات الشر الفرنسية والبريطانية والأمريكية..امة تكتنز المجد وهي تصنع أعظم نظام سياسي بشري الخلافة الراشدة وأعظم العلوم وأشرفها وارتقت بالإنسان إلى أعلى درجات الرقي الروحي والمادي.. هل يعقل ان نخبة لديها هذا الزخم العظيم تدير ظهرها لمرجعيتها ولا تميز بين أسباب انتصارها ودواعي وهنها؟؟ أو تستسلم لمنطق خصومها فترى نفسها من خلال شره وحقده.. 

أجل إن الاهتمام بالتاريخ العربي الإسلامي وتاريخ كفاحنا المعاصر للاستعمار الغربي يجب أن يدفعنا إلى الارتقاء به إلى عمل منهجي مرتبط بمؤسساتنا التعليمية والأمنية والسياسية والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك