أحداث 17 أكتوبر 1961 في باريس: تاريخ المجزرة

شهادات من عايشوا الحدث

 بقلم :.الدكتور: سفيان لوصيف

جامعة سطيف 2

          تعود خلفيات مأساة المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961 بفرنسا إلى أوائل أكتوبر من نفس السنة، حين توعد قائد شرطة باريس موريس بابون أثناء تشييع جنازة أحد أفراد الشرطة قائلابأنه سيكون هناك عشر جثث من الجزائريين مقابل كل جثة لنا، وتسارعت الأحداث بعد صدور قرار آخر باعتقال عشرات الجزائريين المهاجرين في باريس، وقد كان عدد المتظاهرين من أنصار جبهة التحرير الوطني حوالي 30 ألفا من الشيوخ والأطفال والنساء والرجال مقابل 7 آلاف عنصر من الشرطة مدججين بالسلاح.

         لتصل الأحداث إلى ذروتها بإطلاق الشرطة الرصاص الحي على المتظاهرين المحتجين، بإعلان قائد شرطة باريس موريس بابون حظر التجول من الساعة الثامنة والنصف ليلا إلى الساعة الخامسة والنصف صباحا، على كل الجزائريين في فرنسا  والمقدر عددهم حينها بحوالي  350 ألف جزائري بعد سلسلة تفجيرات قامت بها جبهة التحرير الوطني ضد الشرطة ورموز الدولة الفرنسية، وعملاء الاستعمار من الخونة.

         حاولنا تقفي آثار الجريمة من خلال شهادات من عايشوا الحدث، ومنهم جرادة لخضر  الذي سرد حيثيات المأساة فقالأنزلني شرطيان من سيارة سيتروان التي توقفت عند جسر سان ميشال ودفعاني أمامهاحاول أحدهما أن يضرب رأسي ببندقيته و لكنني تفاديت الضربة لأتلقاها على كتفي الأيمنوقعت أرضا أتألم بسبب قوة الضربةو في تلك اللحظة رفعني أحد الشرطيين من اليدين و الآخر من الرجلين ثم رمياني في النهر مع باقي المتظاهرينحاولت السباحة رغم الألم و برودة الماء و بذلت جهدا عظيما في السباحة إلى أن وصلت إلى المرفأصعدت فوق أحد القوارب و تمددت من أجل أن استرجع أنفاسي رغم البرد الشديد و ثيابي المبللةلحسن حظي كنت أجيد السباحة و إلا لكنت الآن في عداد الموتى‘.

          هي لحظات من الصمت المطبق و الإنصات الذي يفرض نفسه عندما نستمع إلى هذه الشهادة الحية عن فظاعة المجزرة التي ارتكبها أبشع استعمار عرفه العالمهذا جزء بسيط من الشهادة التاريخية التي أدلى بها جرادة لخضر حول أحداث 17 أكتوبر 1961.

          كما تسترسل ذاكرة سعيد ترشون في رواية أحداث جسر سان ميشال في باريس، حيث نجا من الموت المحقق، ويقول سعيد إنه كاد يلقى حتفه برميه من أعلى جسر سان ميشال في مياه نهر السين، لكنه نجا بأعجوبة خلافا لرفاق له قضوا في ذلك اليوم الحزين، وتعود إلى أذهاننا ذكرى استشهاد التلميذة فطيمة بدار التي ألقت بها الشرطة الفرنسية بنهر السين كغيرها من المهاجرين الجزائريين الذين لقوا نفس المصير.

         وما حدث هو أن فطيمة بدار خرجت من المنزل ولم تعد، مما دفع بوالدها للبحث عنها في المستشفيات ومراكز الشرطة، وفي 31 أكتوبر تم العثور على جثة فطيمة غارقة في أعماق قناة نهر السين، وفي 17 أكتوبر 2006 نقلت جثمان الشهيدة إلى أرض الوطن أين دفنت بمسقط رأسها.

       ورغم مرارة و فظاعة ما حدث لم تترك السجلات الرسمية الفرنسية ما يدين النظام الاستعماري، حيث أشار المؤرخ الفرنسي جان لوك أينودي إلى أنه رسميا لا تشير سجلات مصلحة الطب الشرعي إلى أي قتيل خلال يوم 17 أكتوبر 1961، واعتبر وصف مجازر 17 أكتوبر 1961 بباريس بالجريمة ضد الإنسانية يعد ملائما.

        وأضاف مؤلف كتابمشاهد حرب الجزائر في فرنساأن الجثث التي نقلت إلى مصلحة حفظ الجثث قد ألقيت في نهر السين من نوافذ البناية التي تضم هذه المصلحة، مذكرا بأن عملية إلقاء الجثث في النهر، كانت قد استعملت على نطاق واسع عام 1958 خلال حظر تجول كان قد فرض بباريس في حق الجزائريين الذين تم إيقافهم و تعذيبهم.

          كما أصدر الكاتب الفرنسي بنجامين ستورا كتابه الجديدلغز ديغول.. خيار الجزائر، الذي أراد به أن يلقي مزيدا من الضوء على ما وقع في 17 أكتوبر 1961 حينما خرج المهاجرون الجزائريون بفرنسا في تظاهرات سلمية تحتج على قرار حظر التجول المفروض عليهم أثناء المفاوضات بين جبهة التحرير الوطني والحكومة الفرنسية آنذاك، وكي يسكت الفرنسيون أصوات المتظاهرين لم يجدوا أيسر من أن يلقوا بالعشرات منهم أحياء في جوف نهر السين في باريس.

        ولم ينكر بل اعترف بنجامين ستورا بأن الأحداث خلفت صدمة للضمير الفرنسي، خاصة أنها ذكرتهم كما يقول بمرارة ما حدث في الحرب العالمية الثانية لليهود على يد النازية، فضلا على أن الأحداث الدرامية التي وقعت في قلب العاصمة الفرنسية كانت ضربة لكل مبادئ الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والعدل والمساواة، وفي رأيه فإن أحداث أكتوبر كانت أحد أهم الأسباب التي دفعت الرئيس الفرنسي شارل ديغول إلى الاقتناع بضرورة استقلال الجزائر.

         ولا يعرف عدد المتظاهرين الذين ألقى بهم الفرنسيون في النهر أحياء ليموتوا غرقا، غير أن المؤلف ستورا يقول إنهم بالعشرات، وذلك بخلاف عشرات القتلى الذين سقطوا نتيجة إطلاق الرصاص على المتظاهرين، بالإضافة إلى من قتلوا في معسكرات الاعتقال، تقول بعض المصادر التاريخية إن عدد الجثث التي تم إخراجها من السين بلغ 110، فضلا عن عشرات الجثث الأخرى التي لم يعثر عليها.

        وأشار أحمد عراد مناضل سابق بفدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، إلى أن المظاهرة السلمية خلفت يوم 17 أكتوبر و في الأيام التالية لها مئات القتلى ومئات المفقودين وأكثر من 1000 جريح، في حين أوقفت الشرطة الفرنسية 14094 جزائري، ومن جهته قال علي هارون عضو سابق في نفس الهيئة إنه كان هناك 200 قتيل على الأقل من بين المتظاهرين، مشيرا إلى صعوبة الحصول على رقم دقيق لعدد ضحايا هذه المظاهرات لأنه كما قال كان العديد من الجزائريين في عداد المفقودين.

       وإلى الآن بقيت أحداث أكتوبر 1961 ملفا أساسيا في مطالب الحكومة الجزائرية لباريس بالاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد الجزائريين داخل وخارج الجزائر، غير أن الحكومات الفرنسية المتعاقبة لا تزال ترفض الاعتذار لما يمكن أن يترتب عنه من تعويضات ومطالب سياسية أخرى.

        ويبدو أن السلطات الفرنسية حاولت الاعتذار بطريقتها؛ حيث قام برترون دناولوي رئيس بلدية باريس، بوضع لوحة تذكارية قرب جسر سان ميشال في قلب باريس تشير إلى موت الجزائريين غرقا في السين، وهي اللوحة التي أصبحت في السنوات الأخيرة مزارا للجزائريين من مقيمين وزائرين لفرنسا، من أجل وضع باقة ورد ترحما على الشهداء .

        في سنة 2011 التي تزامنت مع الذكرى 50 للأحداث تظاهر مئات الأشخاص بباريس مطالبين السلطات الفرنسية بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبت في حق الجزائريين خلال مظاهراتهم السلمية بالعاصمة الفرنسية في أكتوبر 1961، ورفع المتظاهرون لافتات تدعو لنشر كل الوثائق الرسمية الفرنسية المتعلقة بتلك الأحداث، معتبرين أن الاعتراف بالحقيقة وإظهارها سيساعد على ما وصفوه بطي صفحة الماضي الاستعماري بين فرنسا والجزائر.

          وقد انطلقت المسيرة من أمام قاعة سينما ريكس بالدائرة الثانية في باريس، وجابت شوارع في المدينة قبل وصولها جسر سان ميشال الذي ألقت الشرطة من فوقه عددا من أنصار جبهة التحرير في نهر السين، مما تسبب في موتهم غرقا آنذاك، وتصدر المظاهرة زعماء من اليسار الفرنسي وقياديون نقابيون وناشطون بارزون في المنظمات الحقوقية المحلية.

          وقالت النائبة البرلمانية إيفا جولي إنهلم يعد من المقبول أن تستمر الحكومة في الإصرار على إنكار ما حدث في 17 أكتوبر 1961′، وأشارت إلى أن ‘ 172 جثة تم انتشالها من نهر السين بعد ذلك اليوم الدامي، مضيفة أن على الدولة الفرنسية أن تعترف بمسؤوليتها عن الجريمة، وأن تعمد إلى نشر كل الوثائق المتعلقة بها، معتبرة أن ذلك هو السبيل الوحيد لتجاوز الأحقاد والمرارات التي خلفتها تلك الفترة البغيضة.

          ومن جانبه اعتبر زعيم حزب جبهة اليسار جان لوك ميلانشون أن ما حدث في 17 أكتوبر 1961 كان تعبيرا عن عنف الدولة ضد حقوق البشر، مؤكدا أن العمال الجزائريين الذين كانوا يتظاهرون طلبا للحرية، كانوا أقرب إلى مثل فرنسا وقيمها التي خانتها الشرطة القمعية.

        وشدد القيادي اليساري على ضرورة استخلاص العبر من تلك الأحداث حتى لا تتكرر في المستقبل، وأضاف قائلاحينما نشاهد هذه الأيام من حين لآخر أعمال عنف ترتكب على أساس عنصري، نعرف مدى أهمية استحضار هذه الأحداث الأليمة بالنسبة لمستقبل العيش المشترك في فرنسا .

          أما العضو الاشتراكي في مجلس الشيوخ الفرنسي ديفد آسولين فأكد أن على فرنسا أن تتجاوز البلاغ الرسمي الذي حصر آنذاك حصيلة القمع في ثلاثة قتلى وعدد من الجرحى، مشددا على ضرورة الإنصات للباحثين والمؤرخين الذين يجمعون على أن ما حدث كان مذبحة حقيقية سقط فيها عشرات الجزائريين على أقل تقدير،  واعتبر أن الاعتراف بالجريمة سيساهم في تضميد جراح الماضي الاستعماري لدى الفرنسيين من أصل جزائري، كما سيساعد على فتح صفحة جديدة في العلاقات بين فرنسا والجزائر.

          وأيد نفس الطرح مهدي لعلاوي الذي رأى أن إقرار سلطات باريس بما ارتكبته في حق الجزائريين سيكون لفتة تنم عن احترام فرنسا لكل الجزائريين هنا وعلى الضفة الجنوبية من البحر المتوسط، وأضاف الناشط الحقوقي أن مسؤولية الدولة الفرنسية عن المذبحة لا يمكن إنكارها، مشيرا إلى أن قائد شرطة باريس موريس بابون الذي أمر بقتل المتظاهرين حصل على ضوء أخضر من وزير الداخلية روجيه فراي، وربما من رئيس الوزراء ميشال دوبري ورئيس الجمهورية آنذاك الجنرال شارل ديغول.

         ومن الجانب الجزائري كان المؤرخ محمد قورصو أكد في وقت سابق أن موريس بابون قام عشية اندلاع مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بزيارة كل محافظات الشرطة بالعاصمة الفرنسية من أجل تحريض عناصرها على تصفية الجزائريين بعد أن أباح قتلهم،  وقال محمد قورصو أنه تم خلال تلك المجزرة الفرنسية في حق المهاجرين الجزائريين، إلقاء العديد من الجزائريين من جسر سان ميشال إلى نهر السين وهم أحياء.

        وأكد قورصو أن عدد الضحايا يتجاوز المائة خلافا للحصيلة الرسمية التي تحدثت عن وجود قتيلين ضمن صفوف المتظاهرين إثر تبادل لطلقات النار، واعتبر قورصو أن موريس بابون من أكبر مجرمي الحرب الذين عرفتهم الجزائر إبان الثورة التحريرية، وكان أول من أمر بفتح المحتشدات التي كان يمارس فيها التعذيب على الجزائريين بمختلف أشكاله.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك