أثر على الجغرافيا الاقتصادية والسياسية في العالم

خسائر حرب أسعار النفط

 

الباحثة شذى خليل/ وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يشهد العالم حرب أسعار النفط , وستصل ذروتها في شهر ابريل المقبل، حيث سينتهي تطبيق اتفاق خفض الإنتاج الذي كان قائما بين دول أوبك والمنتجين الكبار بقيادة روسيا، أو ما بات يسمى “أوبك بلس”، مما يعيني أن الأسواق سوف تغرق بالنفط، ومن ثم المزيد من انخفاض أسعار النفط”، وهذا الأمر يدعو للقلق والإرباك في سوق النفط، خصوصا من انخفاض الطلب على خلفية تداعيات انتشار فايروس كورونا عالميا الذي اثر وبشكل مباشر على اكبر اقتصاديات العالم .

كما أن أزمة الكورونا غير المتوقعة قد أثرت على النمو في الصين وبالتالي على النمو العالمي.. ما قد ينتج عن هذه الاضطرابات الاقتصادية عواقب غير محسوبة تكون نتائجها كارثية ما لم يتم الجلوس حول طاولة لحل الأزمة بشكل عقلاني ومقبول لدى الجميع .

من المهم جدا أن تطلب الولايات المتحدة من دول الخليج تخفيض الإنتاج للمحافظة على سعر 50 دولارا للبرميل للمحافظة على صناعة الزيت الصخري.

حيث أصبحت الولايات المتحدة اكبر منتج للنفط في العالم حيث بلغ إنتاجها 2019 حوالي 13مليون برميل يضاف إلى ذلك السوائل النفطية المنتجة مع الغاز ليصبح إنتاج الايدوكربون السائل حوالي 15 مليون برميل باليوم . ولكن من المغالطات أن الولايات المتحدة مكتفيه ذاتيا.. فالحقيقة أنها بحاجه إلى استيراد 5 ملايين برميل يوميا.

أبعاد الحرب النفطية اليوم وأبعادها الاقتصادية

كانت الأمور ترتب داخل منظمه الأوبك ولكن بعد دخول روسيا إلى سوق النفط العالمي وهي اليوم ثاني أكبر منتج للنفط أصبح من غير الممكن لدول اوبك وحدها رفع و تخفيض الإنتاج للتحكم بالسعر كما تريده الولايات المتحدة فأصبح ما يسمى (اوبك +) أي روسيا .كانت الأخيرة تقبل التنسيق مع السعودية برفع وخفض الإنتاج للتحكم بالأسعار، وفي اليوم الموافق (06/03/2020) قررت عدم تخفيض إنتاجها وان يكون التخفيض من الآخرين بما فيهم الولايات المتحدة. وهكذا وخلال ثلاثة أيام هبط سعر النفط صباح اليوم الاثنين إلى حوالي 33 دولارا للبرميل .

كان المطلوب تخفيض الانتاج العالمي لحوالي 3.50 مليون برميل باليوم لان مشكلة الكورونا قد خفضت استهلاك الصين حوالي 20% أي حوالي 2.8 مليون برميل باليوم يضاف الى ذلك هبوط الاستهلاك في كوريا الجنوبية وفي كثير من دول العالم نتيجة لتباطؤ النمو .

يؤكد خبراء الاقتصاد ، ان انخفاض أسعار النفط سيمارس ضغوطا على موازنات الدول النفطية بالأخص العراقية كونها تعتمد وبشكل كامل على إيرادات بيع النفط ، وأيضا سيؤثر على الدول الخليجية مما سيدفعها للاقتراض من الأسواق العالمية لمواجهة تداعيات تراجع الإيرادات وهذا مزيد من الإغراق في المديونية :

 

العراق

 

“العجز الهائل” في الموازنة العراقية ،  والذي قد يصل إلى 40 مليار دولار (48 ترليون دينار)، وهذا العجز المتوقع تحدث عنه نواب في منتصف أوت 2019، حينما كان سعر النفط أعلى بنحو 20 دولارا للبرميل من سعره الحالي.

حيث أكد  المستشار الاقتصادي للحكومة المستقيلة مظهر محمد صالح “إن الإنفاق العام في العراق يشكل نحو 45% من الناتج المحلي الإجمالي”، محذرا من أن “توقف إقرار الموازنة وتعثر الإنفاق الاستثماري المخطط أو الجديد سيقودان إلى تزايد معدلات البطالة وارتفاع نسب الفقر بسبب النمو السنوي للسكان والقوى العاملة التي تتطلع إلى العمل، وبهذا ستتعطل الكثير من المصالح المترابطة والمعتمدة على الإنفاق الاستثماري ولاسيما الحكومي الجديد الذي يقود في نهاية المطاف إلى الركود”.

ومع كل دولار ينخفض في سعر البرميل، يخسر العراق نحو 3.4 – 3.6 مليون دولار يوميا، أي أن العراق خسر في يوم 18 مارس 2020 نحو 75 مليون دولار بالمقارنة بواردات نفس اليوم من شهر فبراير الماضي، مما يدلل أن العراق أمام كارثة حقيقية من هذا الانخفاض .

 

السعودية

انخفاض السعر من 70 الى 30 دولار يكلف المملكة العربية السعودية خسارة ب 400 مليون دولار يوميا اي حوالي 150 مليار في السنة .. ويكلف مجلس التعاون الخليجي بأكمله 300 مليار دولار .

وأقرت الحكومة السعودية خفضا جزئيا في بعض بنود موازنتها بقيمة خمسين مليار ريال (13.3 مليار دولار)؛ نتيجة تراجع أسعار النفط الحالية والمتوقعة، إثر حرب الأسعار التي شنتها بعد فشل اتفاق مع روسيا ومنتجين آخرين، هناك أثار هذه الحرب النفطية وانعكاساتها الاقتصادية على العالم .

بالنسبة إلى روسيا يأتي ذلك بعدما أعلنت موسكو -الطرف الثاني في حرب أسعار النفط- عن خسائر متوقعة تقارب أربعين مليار دولار بسبب انخفاض الأسعار ، ميزانية روسيا في الظرف الطبيعي لن تتأثر ميزانية الاتحاد الروسي مادام السعر فوق 42 دولار للبرميل وهو السعر الذي اعتمدته ميزانية روسيا ولكن سيؤثر ذلك على إيراداتها من العملة الصعبة عندما يهبط السعر اقل من ذلك وهو اليوم يهبط إلى النصف من الحد الأدنى لتسجيل الخسارة الروسية .

 

أما الولايات المتحدة:

 

ستكون هذه المرة الأولى التي تتعرض الولايات المتحدة لصدمة كبيرة. حيث يعتقد خبراء سوق النفط أن هناك إمكانيه إلى هبوط السعر إلى 26 دولارا للبرميل وهذا يعني كارثة لصناعة النفط الأمريكي عموما و صناعة انتاج الزيت الصخري خصوصا. كلفة إنتاج برميل النفط من الصخر الزيتي من أكثر الحقول هي حوالي 50 دولارا للبرميل ولبعضها بين 40-45 دولارا للبرميل . سعر اليوم 32 دولارا للبرميل أو سعر 26 دولارا للبرميل كما يتوقع خبراء السوق في حال حرب أسعار وإنتاج يعني تعثر الكثير من شركات نفط الزيت الصخري وان طال الأمر يعني إفلاسها

وهذا يعني أيضا خسارة الولايات المتحدة جزءا كبيرا من إنتاجها اليومي حيث يكون الصخر الزيتي حوالي ثلثي إنتاج الولايات المتحدة الحالي .كذلك فإن طرق الإنتاج الأخرى وخصوصا الإنتاج من المياه العميقة سيصيبها الخسارة.

من جهة أخرى ، هبوط أسعار النفط يفيد الاقتصاد الأمريكي ولكن العواقب على قطاع النفط ستكون كارثية مما يعني حاجة الولايات المتحدة إلى مزيد من الاستيراد ومزيد من العجز في ميزان المدفوعات، يضاف إلى ذلك انحسار نمو الاقتصاد العالمي والذي يزيد الأمر صعوبة.

 

ـ الصين:

هبط الاستهلاك في الصين بنسبة 20% أي حوالي 2.8 مليون برميل باليوم نتيجة الكورونا ، يعني قبل هبوط أسعار النفط أصلا ، علما بان السعودية والعراق هما أكبر مصدرين لنفطهما للصين . تحتاج الصين إلى استيراد حوالي 7 مليون برميل يوميا وبسعر 30 دولار مقابل حوالي 70 دولارا قبل أزمة الكورونا أي أن فاتورة النفط ستنخفض ب 280 مليون دولار يوميا ، حوالي 100 مليار دولار سنويا .

 

دول الاتحاد الاوروبي .

تتأثر دول الاتحاد الأوروبي بهبوط معدل التنمية العالمية نتيجة كورونا و هبوط الاقتصاد الصيني سيزيد أزمة العديد من الدول الأوروبية إلا أنها ستتستفيد من السعر للنفط . والحال كذلك بالنسبة لبقية الدول غير المنتجة للنفط كالأردن مثلا حيث على السعر المذكور ستنخفض فاتورة النفط إلى أكثر من النصف !

وفي الختام حذرت شركات لتجارة النفط من أن الطلب العالمي على النفط قد ينخفض بأكثر من 10%، مع لجوء مزيد من الدول الأوروبية للعزل من أجل مكافحة فيروس كورونا. فهل ينتظر العالم مزيدا من الكوارث أم سيتطلب تدخل الدول العظمى لحل الأزمة العالمية مع السعودية واطراف أخرى مؤثرة محاولة لإعادة استقرار أسعار النفط العالمي .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك