كورونا تعيدنا إلى المدرسة

أبانت عن فشل المنظومة التربوية

بقلم: احسن خلاص

لنتصور أن فيروس كورونا قد أنذر بقدومه أشهرا قبل هذا ولم يحل علينا وكأنه ذلك القائد رفيع المستوى الذي يتفقد رعيته على الأرض على حين غفلة منها ودون سابق إنذار لتعد له العدة لتجيب عن مساءلاته حول حصيلة كل بلد في جميع مجالات الحياة. ولأنه لا يوجد قوم على الكرة الأرضية كامل الأوصاف ومستوفي جميع شروط الحياة المثالية فقد وجد البشر أنفسهم يستقبلون يوم الحساب قبل أوانه وقد أتاهم بغتة ليكشف عوراتهم ويسبر ضعفهم ويحطم كبرياءهم ويعيد النظر في منظوماتهم التربوية والصحية والاقتصادية التي استغرقوا قرونا في بنائها.

 

 

في الجزائر نجح الحراك الشعبي العام الماضي في كشف الزيف الذي كانت عليه سياسات النظام السياسي القائم في جميع المجالات فلم يكد يعثر على قطاع سار بشكل عادي ولم يمسسه الزيف ولم يعتره الفساد والتدمير المنظم، لاسيما المجالات الحيوية للمجتمع. وها هو كورونا يستكمل عملية السبر والحفر في واقعنا وكشف حقيقته التي غطتها أرقام زائفة وخطابات تهريجية، ومن يدري فقد تكشف الأيام القادمة المزيد.

وتعتبر التربية إحدى المجالات التي لم نجدها عندما لجأنا إليها في زمن الغازي كورونا. فقد أضاف توقيف الدراسة في جميع أطوار التعليم بسبب الوباء هما آخر إلى هموم المدرسة الجزائرية إذ يؤكد المعلمون والأساتذة صعوبة استدراك الدروس الضائعة عن طريق اللجوء إلى التواصل الإلكتروني أو بث الدروس عن طريق القنوات التلفزية العمومية، بالنظر إلى الطلاق القائم بين التلميذ والمدرسة وغياب القيم التربوية الضرورية دون الحديث عن ضعف قدرة الأولياء إلا في القليل النادر في تحفيز أبنائهم للدراسة لاسيما ضمن الظروف النفسية التي أحدثها الحجر المنزلي والتي أضيفت إلى إفلاس شامل للمنظومة التربوية التي كان عضدها انقلاب القيم في المجتمع رأسا على عقب وهي حصيلة سنوات من انعدام الرؤية وغياب الإرادة بالنهوض بمدرسة وطنية حديثة ومواطنية تتجه نحو تطوير وتحيين المناهج والبرامج وتكوين سلك التعليم ومنحه الاعتبار اللازم لأداء دوره الحضاري.

ها نحن اليوم نجني ما زرعته التجاذبات السياسية والإيديولوجية وحرب المواقع والخنادق بين التيارات المحافظة ذات التوجه العربي الإسلامي والتيارات الحداثية العلمانية، تلك التجاذبات التي كانت ساحتها المدرسة فأفقدتها وجهتها الحقيقية وحادت بها عن مهمتها الأساسية وهي العملية التعليمية والتكوينية على المناهج والتكنولوجيات الحديثة بالدرجة الأولى والمساهمة في إرساء تربية وطنية تكوّن التلميذ على أسس المواطنة واحترام الحريات والتعددية الثقافية واللغوية والفكرية في المجتمع.

لقد استغرقنا سنوات عديدة ونحن نتجادل حول المدرسة التي نريد ويحتدم النقاش حول مدى نجاح وتعثر الإصلاحات التي لم نحدد يوما أهدافها ولا ملامحها تحديدا يكون محل إجماع أهل القطاع التربوي قبل المجتمع برمته. لقد ظلت المدرسة طوال الوقت حقل تجارب إذ لم نستقر على مدرسة قادرة على مواجهة التحديات مثل التحدي الذي نواجهه اليوم وقد سمعنا الرئيس تبون يقول بصراحة إن ما يخيفه في مواجهة أزمة كورونا ليس قلة الإمكانات والوسائل ولا شح الأموال إنما هو غياب انضباط المجتمع مع التوجيهات الصحية التي أوصى بها أهل الاختصاص.

لم تقف نكسة المدرسة الجزائرية عند فشلها في تشكيل وعي تربوي مشترك في خدمة المصلحة الوطنية الحيوية وهي حماية الموارد البشرية الثمينة لدى البلدان التي تبحث عن مكان لها تحت الشمس ضمن ترتيبات ما بعد الأزمة بل أنتجت فردا جزائريا لا يعير للتوجيهات العلمية أدنى اهتمام، فردا أقصى ما أدركه بذكائه أنه لا يهمه أن يهلك بسبب فيروس فتاك سريع الانتشار بقدر ما يهمه أن لا يموت جوعا بسبب انقطاع التزود بمادة السميد.

هذا هو منتوج المدرسة الجزائرية التي تلفظ إلى الشارع سنويا ثلثي عدد التلاميذ المتمدرسين الذين تتلقفهم الشوارع والأزقة وتلتهمهم المخدرات ومختلف الآفات فلا خير يرجى من مدرسة لم نجد ثمراتها في مواجهة الغازي الجديد ولا خير يرجى من منظومة تعليمية لم تنجح في أن توفر تعليما يهيئ المواطن للإنتاج والإبداع والالتزام بأدنى قواعد المواطنة مثل ما هو حالنا في مواقفنا تجاه ردة فعل جماعية حيوية وضرورية للحفاظ على صحة وحياة الجميع.

ستجد القوة العمومية نفسها مرغمة على تدارك ما فشلت فيه المدرسة ومختلف دور العلم والتربية في مثل هذه الأيام التي لا ينفع فيها وعظ ولا إرشاد بل يفرض نفسه اللجوء إلى فرض قذارة القانون لتجسيد حرص الدولة على سلامة الجميع وضمان حق الجميع على الجميع وعدم مسايرة من اختار في هذا الظرف أن يضع نفسه في صف المجرمين عن وعي أو دون وعي فسلامة الجميع لا تنتظر أحدا حتى يعي ويفهم ويتعلم فالجزائر مثل كامل البشرية في حرب ضد الغازي الماكر الذي لا ينتظرنا حتى نحقق الإجماع.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك